حكاية انشاء جاردن سيتي

مي أحمد 

بالنسبة لحي جاردن سيتي يقال ان كل الارض التي اقيم فوقها هذا الحي كانت اما غرب النيل ـ وليس في شرقه كما هي الان ـ واما كانت تحت مجرى النيل نفسه سواء ايام بداية الفتح الاسلامي حتى في العصر الايوبي والمملوكي الذي كان فيه مجرى النيل يسير في نفس مسار شارع قصر العيني الحالي وميدان التحرير وشارع 26 يوليو .

وجاء عصر اسرة محمد علي باشا الذي اختار افرادها هذه المنطقة لبناء قصورهم الضخمة فكان اولهم الفاتح ابراهيم باشا الذي بنى القصر العالي الذي كان يحده النيل غربا ويصل جنوبا الى شارع قصر العيني وشمالا الى ميدان الشيخ يوسف.

وفي اواخر عام 1863 تنازل الخديوي اسماعيل لوالدته ـ الوالدة باشا ـ عن القصر العالي مع الاراضي الملحقة به وطبقا لصك التنازل تم تحديد القصر ومساحته غربا بساحل النيل وشرقا بالطريق الموصل الى بولاق ومصر القديمة أي شارع القصر العيني وجنوبا بالطريق الفاصل بين ارض القصر العالي وقصر النيل وشمالا قصر اخيه احمد باشا .

وفي عام 1871 تحديدا في شهر اغسطس اصدر اسماعيل باشا امرا بكتابة حجة مستند تمليك باسم زوجته الثالثة لبناء سراي جديدة هي وسراي الاسماعيلية في المنطقة الواقعة في جزيرة العبيط التي كان حدها الشرقي طريق كوبري قصر النيل (شارع الخديوي باشا) والقبلي حديقة المرحوم احمد باشا والشرقي طريق الشيخ يوسف الموصل الى القصر العالي ومصر القديمة والغربي البحر الاعظم.

ومن هنا يتضح ان «جاردن سيتي» كانت عبارة عن ثلاثة قصور كبيرة جميعها تطل على النيل غربا ولكل منها حديقة كبيرة هي القصر العالي وقصر احمد باشا (اخو الخديوي اسماعيل) وسراي الاسماعيلية التي يوجد مكانها الان مجمع التحرير وما امامه من حدائق حتى شارع كوبري قصر النيل.

اما سراي وزارة الخارجية فكانت قصرا للامير كمال الدين حسين ابن السلطان حسين كامل.

اول مجلس للشورى في مصر

ومن المعروف ان الجلسة الاولى لمجلس المشورة برئاسة ابراهيم باشا في سبتمبر 1829 والتي ضمت 156 عضوا من العلماء والاعيان والموظفين ومأموري الاقاليم عقدت بالقصر العالي الذي انشأه ابراهيم باشا في حي جاردن سيتي يعتبر اول مجلس للشورى في مصر وضم بين اعضائه الامير احمد رفعت ابن ابراهيم باشا وهو الابن الاكبر واخو الخديوي اسماعيل،

وكان ضمن البعثة الكبرى الذي ارسلها جده محمد علي الى فرنسا وكان بين 70 تلميذا اختارهم سليمان باشا الفرنساوي كما تم تعيينه مأمورا للاقاليم الوسطى وكذلك في منصب الكتخدا وهو منصب يعادل نائب الحاكم وكان هو اول ناظر (وزير) للداخلية في مصر عام 1857 ثم اصبح وليا للعهد لعمه سعيد باشا لكن القدر لم يمهله ليكون وليا على مصر ولقي مصرعه في حادث غريب وغامض عند كفر الزيات في حادث انقلاب القطار الذي كان يركبه في النيل وتصبح الولاية لاخوة اسماعيل بعد وفاة سعيد باشا.

وقصة الامير احمد باشا رفعت من اهم القصص لانه بنى قصرا من اهم وافخم قصور جاردن سيتي وقريب نوعا ما من القصر العالي واقرب ما يكون الى قصر اخيه الخديوي اسماعيل «سراي الاسماعيلية»، وكان شارع عائشة التيمورية هو الحد الفاصل بين القصر العالي لابراهيم باشا وقصر احمد باشا ومازال حتى اليوم يوجد شارع يحمل اسم القصر العالي بحي جاردن سيتي وكذلك شارع باسم الوالدة باشا زوجة ابراهيم باشا وام الخديوي اسماعيل والامير احمد رفعت.

وقد ترك الامير يوسف كمال احد احفاد الامير احمد باشا رفعت قصورا رائعة في الوجهين البحري والقبلي، ولكن لم يبق من هذه القصور سوى اسم شارع في جاردن سيتي يحمل اسم احمد باشا يقع على قمته قصر محمد فؤاد سراج الدين باشا زعيم حزب الوفد.

قصر الدوبارة مقر السفير البريطاني

اشهر ما في حي جاردن سيتي «قصر الدوبارة» ليس بسبب القصر لكن بسبب وجود السفارة البريطانية منذ كانت دارا للحماية على مصر، وكان الحكم الفعلي في مصر لقصرين هما قصر عابدين حيث مقر الحكم الرسمي لابناء اسرة محمد علي من عهد اسماعيل وقصر الدوبارة حيث المندوب السامي البريطاني او المعتمد البريطاني او السفير البريطاني فيما بعد .

وهذا القصر للاميرة امينة بنت الهامي بن عباس حلمي الاول المعروفة بلقب ام المحسنين وهي زوجة الخديوي توفيق بن اسماعيل ووالدة عباس حلمي الثاني الذي عزله الانجليز عن حكم مصر عام 1914.

وموقع هذا القصر في المربع الذي يقع فيه الان فندق شبرد الجديد علي كورنيش النيل ويطل غربا على النهر ومن الجنوب الشارع الذي يفصله عن السفارة البريطانية والذي كان يعرف بشارع لاظوغلي وشرقا الشارع الذي يفصله عن السفارة الأميركية،

وكان اسم هذا الشارع شارع الوالدة باشا ويحمل الان اسم شارع أميركا اللاتينية وشمالا الشارع الفاصل الان بين فندقي شبرد وسميراميس وغرب مبنى وزارة الخارجية القديم كان هناك قصر تمتلكه السيدة قوت القلوب بنت عبد الرحيم باشا الدمرادش وقد هدم القصر لتوسعه ميدان كوبري قصر النيل الذي كان يحمل اسم الهامي (بن عباس حلمي الاول) أي والد الاميرة امينة صاحبة قصر الدوبارة.

وفي منتصف الاربعينات تم بيع منقولات قصر الدوبارة في مزاد علني وتم تقسيم الارض وبنيت عليها عمارتا ايزيس وازوريس في الجزء الجنوبي من الارض والموجود في احدهما مقر للامم المتحدة،

وبعد حريق القاهرة يوم 26 يناير عام 1952 واحتراق فندق شبرد القديم بالقرب من منطقة الازبكية تم بناء المبنى الجديد للفندق على جزء من ارض هذا القصر في الواجهة المطلة على النيل كما انشيء مبنى لوزارة الصناعة شرق الفندق.

الشيخ العبيط في حي السفارات

عندما تصل الي شارع قصر العيني اهم شوارع القاهرة واكثرها ازدحاما وخاصة بين العمارتين رقم 98 و100 تجد ضريحا في الفراغ بينهما ومدخلا خاصا يعرفه العامة باسم ضريح الشيخ يوسف، وعلى بعد خطوات منه نجد ميدانا يحمل نفس الاسم، اما الشيخ العبيط فنجد اسمه على لافتة على سور قصر وزارة الخارجية اشارة الى الشارع الذي يطل على السور الشرقي لقصر وزارة الخارجية وتغير فيما بعد شارع جامع عمر مكرم احد زعماء الشعب الذي قاوم الحملة الفرنسية على مصر وقاد ثورة القاهرة ضدها بدلا من الشيخ العبيط الذي لا نعرف تاريخه والان نجد لافتة الشارع مكتوبا عليها (شارع جامع عمر مكرم … سابقا الشيخ العبيط).

اما الشارع الذي كان يحمل اسم الشيخ يوسف المعروف بانه كان لصا وقاطع طريق لكن العامة كانوا يعتقدون بان له بركات فتغير الى اسم عبد القادر حمزة باشا احد الصحافيين الوفدين الكبار وصاحب جريدة البلاغ، لكن اسم الميدان بقي كما هو يحمل اسم الشيخ يوسف.

قصر العيني

اما حكاية قصر العيني اكثر شوارع القاهرة اهمية ومحيط حي جاردن سيتي فتبدأ ببناء قصر انشأه شهاب الدين احمد بن عبد الرحيم ابن قاضي القضاة الحنفية (بدر الدين محمود العيني) وبدر الدين اصله من عينيات شمال مدينة حلب وموقعها الان داخل الاراضي التركية وينسب العيني الى عينتاب.

وقد تولى بدر الدين العيني الحسبة كما تولى قضاء الحنفية عدة مرات وكان مقربا للسلطان المملوكي المؤيد شيخ وتوفي العيني عام 855 هـ ودفن بمدرسته المعروفة باسمه أي المدرسة العينية بشارع محمد عبده خلف الجامع الازهر.

وعندما اكتمل بناء هذا القصر دعا صاحبه احمد العيني سلطان البلاد خوشقدم لافتتاحه وزيارته واستجاب لطلبه وقضى يوما بديعا ثم انعم على احمد العيني برتبة الامارة العسكرية ولكن انقلبت الامور بعد تولي الاشرف قايتباي السلطنة وتم القبض على العيني ونهب العامة قصره في هذه الاثناء وزادت الامور سوءا بعد تولي قنصوة الغوري السلطنة فكان ان هرب العيني الى مكة ثم الى المدينة ومات ودفن هناك بالمدينة المنورة عام 909 هـ ليصبح بعدها قصره من املاك الدولة،

وبسقوط الدولة المملوكية وتحولها الى ولاية عثمانية مرت على القصر عدة مراحل وتحول الى مكان للنزهة واحيانا قصر للضيافة او مكان للحبس الاجباري واحيانا اخرى الى مجلس للوالي، وظل هكذا الى ان وصلت حملة بونابرت الى مصر عام 1798 لتدخل القصر مرحلة جديدة من تاريخه.

وتحول منذ ذلك الحين الى مستشفى لجنود وضباط الحملة وتم اهمال القصر لفترة حتى بدأت مسيرته مع الطب والاطباء،

ففي عام 1831 امر محمد علي باشا بالحاق شخصية من اغوات الحريم بمدرسة الطب في ابي زعبل التي انشأها كلوت بك لتعليمهما الطب والجراحة لخدمة سيدات العائلة الحاكمة احدهم محمد الشافعي الذي استكمل دراسة الطب في فرنسا واصبح اول مصري يتولى رئاسة مدرسة طب قصر العيني، وفي عام 1856 تم انشاء اول مجلس خصوصي للطب ثم انشاء مدرسة الطب في قصر العيني ملحقة باستبالية قصر العيني (مستشفى) لتعليم الطب والجراحة والعلوم الطبية والصيدلية.

وفي عام 1925 عند انشاء جامعة فؤاد الاول (جامعة القاهرة حاليا) انضمت مدرسة الطب في قصر العيني الى الجامعة الوليدة واصبحت فيما بعد كلية للطب.

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

النص القرآني

Read Next

محمد سعد من القمة إلى القاع

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular