الوعْيُ الجمْعيّ صيدليّة التطوّر الحضاريّ

محمود محمد أسد

أسئلة لا أطرحها للإجابة عنها، ولا أبغي استعراض عضلاتي ولا ثقافتي، وهناك من هو أعلم منّي بكثير، وهناك من يعرف دقائق الأمور في حياتنا وفي محيطنا. فاسمحوا لي بالقول:
هل نحن على قدر المسؤولية في مجالات الحياة المتشعبّة ؟ وهل كنّا متلمّسين الحلول الصّائبة لكلّ ما يصادفنا، ويصادف الآخرين من أخطاء وتجاوزات؟ وهل قدرْنا على امتلاك الجرأة كي نعترف بتقصيرنا وتخلّفنا عن الركب الحضاري في التعامل مع أنفسنا، ومع الآخرين في المأكل والملبس والمسكن والعمل ، وفي الشارع والسيّارة ،وفي حسن استخدام التقنيّات التي تنام في جيوبنا وبيوتنا. وسيّاراتنا ومحلاتنا ودوائرنا؟
هل قبلْنا من الآخرين نصائحهم لنا؟ وهل استمعْنا إلى تجارب الآخرين؟ وهل أحطْنا أنفسَنا بسور منيع من الحصانة الثقافيّة والخلقيّة والأدبيّة ؟ وهل تمثّلْنا المقولاتِ والأمثالَ والأقوال التي نردّدها في مجالسنا لنُظْهر أنفسنا مثقّفين.؟
أرجوك أخي : لا تُمزّقْ الصّحيفة والمقالة قبل إنهاء قراءتها، ومن ثّمَّ افعلْ ما تريد، وتوجّه إليّ بما تتزوّدُ من قاموسك اللغويّ والمعرفيّ . و أظنّ أنّ من يملكهما لايفعل غيرَ التأمّل وقلب المعنى والتفكير في كنهه. هل غاب عنك وعنّي أنّ السّؤال نصفُ المعرفة ، ونصفُها الآخر يكمن بالتأمّل والتدبّر ملحوقين بالإجابة، والإجابة لا يختصرها القول، ربّما يعدمها ويُنهِكها، ويكسّر عظامها . إذا لم يرتبط بالسلوك والأدبيّات العامة. فالإجابة تتمثّل بالسلوك والمنهج. ومنذا يقدر على ذلك لنحقّق ما ينقصنا، وماهرب عنّا ومنّا ؟.
من يتنكّر وينكر حال تمزّقنا الاجتماعي؟ ومن يتجاهل حقيقة ما يجري بيننا من قضايا وأمور تعكس تخلّفنا، وترسم معالمَ إدراكنا، وضيقّ طباعنا، وهروب أعرافنا الثابتة ، وفوق هذا تفضح استسلام حواسِّنا للكسل والخمول والرّضاعن كلّ سوء يشوّه أذواقنا وثقافتنا الذوقيّة التي اكتسبها الآباء والأجداد تربية وسلوكا ومعاملة واحتراما .
هل قاومْنا بإيجابيّة ووعي وحسن تصرّف ما يؤذي حواسّنا التي اعتادت على سماع النّشاز من الغناء والشّتائم والكفر والبذاءة في أيّ مكان ، وعلى مقربة من دور العبادة إن لم يكن في داخلها؟
نعم اعتدْنا على شمّ واستنشاق كلّ مخلّفات السّيّارات والمعامل وتركات القمامة في الشوارع ومداخل البنايات وأمام المدارس وفي الدّوائر الحكومية. وإنّني لا أتجنّى على أحد، أدعوكم للتجوّل والتصوير والتقاط الصور المشرقة لعرضها ، لتكونَ بلسم آمال شريطة أن تكون من وسط المدينة والأحياء الشعبية والأماكن التي ذكرتُها آنفا.
أصبحَ يا سادتي؛ بيننا وبين القبح ألفةٌ ووحدةُ حال، وصداقة بحكم الملازمة والمعايشة. ولم نسألْ أنفسَنا لمَ حدثَ هذا؟ ولماذا هيمن هذه الهيمنة؟ وماهو دورنا ؟ وما هو الحلّ ؟ وأين السّبلُ الكفيلة بالتحرّر من هذه الملوّثات المؤذية للبصر والبصيرة والذهن والوطن؟
ألا يمكننا أن نختصر الأسئلة الكثيرة بسؤال واحد جامع وشاف وكاف: أين نحن ممّا يجري ، أوهل شاركنا بما جرى ،وهل مارسْنا دورنا على أكمل وجه ؟
أقرّ وبدافع الحبّ وأقول: إنّ الوعي الجمعي شبهُ ميّت لأنّه غيرُ منظّم، وغير موظّف بالشكل المفيد. وقد يراه آخرون مشلولا ومصابا بالعقم وقلة الحيلة. وهناك من يقول : حاولنا وسعيْنا ، وأردْنا ولكنّنا لم نجد المبادرين، ولم تُمدَّ إلينا الأيدي لنفسّر الأقوال مبادرات جادة.
هل فكّر سكانُ كلّ بناية وكلّ حيٍّ وكلّ أسرة وكلّ جمعيّة بمشروع جادٍّ يعود نفعُه للصالح العام، وليس للخاصّ؟ هل قبلْنا وبقناعة تامّة الذّوبان الفرديّ المتضخّم مع الجماعة والمجموع والمصلحة العامة؟ما دام الخير للجميع. وهل فكّرْنا بأساليب تربويّة تحمل الطلاّبَ في الصّفّ، وفي المدرسة على تحمّل المسؤوليّة في تنظيف المدرسة ورعاية أثاثها ومكتبتها، وتفعيلها عن طريق إقامة الأنشطة الاجتماعية الموازية للعمليّة التربوية، والتي من مهامها الأساسية ربط الفرد بالمجتمع وإعداده ليكون عنصرا فاعلا ومنتجا للسلوك والتربية قبل كلّ شيء؟ وبذلك نربط الأسرة والمدرسة والحيّ بروابط المواطنة الصّالحة التي تسفر من بعد عن رؤية إنسانيّة فيّاضة بالحبّ والاحترام.
هل قبلْنا على أنفسنا أن نكونَ مبادرين بزرع وعي اجتماعيّ يقوم على توفير الطّاقة والماء والغذاء والدّواء؟عندها نكون قد أعددْنا ما يسمّى ثقافة الوعي والمصالحة مع الذات التي تُنبت سلوكا جماعيا لا يفكّر إلاّ بالمصلحة العامة .
الوعيُ الجمعيّ خيرُ دواء وخيرعلاجٍ لممارساتنا الخاطئة التي تقوم على الاستغلال والاحتكار والتلاعب والعدوان وتلويث البيئة والروح، وإرهاق الوطن. هذا الوعيُ هو الصّيدليّة الكبيرة لمستشفى الحياة، الحياة جمالها مرهون بجمال طباعنا وأخلاقنا، وخيرُها يستمدُّ الوجود والصفاء من صفاء نفوسنا وطباعنا، وما قبُحها إلاّ صورة معكوسة ومرآة عاكسة سوء طباعنا وممارساتنا ن فلنجعلِ الخير في نفوسنا وطباعنا، ولنضعْ نصب أعيننا بناء وطننا على الحبّ ، والإيثار ،فالحبُّ صيدلية الحياة . منذ

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

قـالـوا الـحــجــابُ , تـَخــلــَّف ٌ ,, وتعـالـوا

Read Next

عدو المرأة .. كريم الجيار

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular