الشيخ “براندو”

رشدي الدقن

لم تكن قراءة القرآن الكريم تمنعه من ارتداء أفخر الثياب ووضع أرقى العطور واقتناء السيارات الفارهة وارتياد الفنادق الشهيرة، فهو يرى أن قارئ القرآن يجب أن يهتم بمظهره أكثر من أى شخص آخر ، وكان يتعمد دائما العمل على تغيير تلك الفكرة المأخوذة عن قراء القرآن الكريم وهى عدم الاهتمام بمظهرهم وضعف مستواهم الاجتماعى ، وانتظارهم لصينية الفتة باللحمة فى نهاية الليلة ، فكان يحرص على تناول وجبتى الغداء والعشاء فى الهيلتون أو الشيراتون وعندما سافر إلى فرنسا هو وأخوه الأكبر محمود ليقرأ القرآن على مسرح الأماندييه بباريس ونزل فى مطار شارل ديجول لاحظ أن الناس تنظر إلى الزى الأزهرى بإستغراب شديد فشعر بالحرج وقال لأخيه لابد من شراء البدل حتى لا نصبح فرجة للناس هنا.

أنه الشيخ “عبدالباسط عبدالصمد ” الذى أطلقوا عليه الشيخ براندو بسبب وسامته والتشابه الكبير بينه وبينه معبود النساء فى العالم وقتها “مارلون براندو”.

الشيخ عبدالباسط أيضا كان معبود النساء فى العالم العربى .. ووسامته الشديدة جلبت له العديد من المشاكل .. وجلبت له أيضا الشهرة الواسعة وقد يكون هو الشيخ الوحيد فى تاريخ دولة القراءة الذى صنعوا له تمثالا يباع فى الشوارع .. وينادى عليه البائعين بأعلى صوت ” الشيخ براندو بقرش” .. معبود الستات بقرش .. وكانت عملية بيع التماثيل تنتهى فى ثوانى .

المثير أن الرسائل الناعمة انهالت على الشيخ عبد الباسط .. وكلها تلعن صناع التماثيل الذين شوهوا فتنة الشيخ براندو .. الاصلي !! ومزق الشاب التقي الورع رسائل الجنس الناعم وهو يستغفر الله ويعوذ به من الشيطان والنساء .. واستبد الفضول به ليرى هذا التمثال حتى رأه في مكتب صديق .. ولم يستطع ان يتمالك نفسه من الضحك .. ثم جلس يتأمله .. مستعيذا بالله ومستغفرا .

ورغم أن الشيخ عبدالباسط رحمه الله أكثر قارئ أطلق عليه ألقاب ، ففى بداية حياته اشتهر بلقب (معبود النساء) لما حباه به الله من جمال فى الصوت والشكل ، فكانت النساء فى ليالى إحياء القرآن تقوم بعمل فتحة صغيرة فى الصوان لتسرق من خلالها النظر إلى وجهه ، كما اشتهر أيضا بلقب (قارئ مكة ) وكان هو اللقب المفضل عنده لأنه أول من قرأ فى الحرم المكى والحرم النبوى ، إلا أن لقب (الشيخ مارلون براندو) ظل يلازمه فى رحلته منذ أن ذاع صيته وانتشرت شهرته حتى رحيله رحمه الله.

ورغم كل هذه الشهرة فالرجل ظل على وقاره .. ظل متمسكا بمبادئه .. منذ صغره ونفسه تواقة إلى العمل والإجتهاد .. حفظ القرآن عندما كان عمره 6 سنوات ، وقتها ذهب إلى كتاب الشيخ الأمير في مركز أرمنت بالاقصر فرحب به الشيخ ، لأنه رأى فيه كل المواصفات التي تؤهله ليكون قارئ قرآن بشكل جيد ، ولاحظ شيخه أن تلميذه موهوب وله موهبة متميزة في سرعة الحفظ وتركيزه واهتمامه بمتابعة الشيخ بحب وشغف مع الدقة ونطق مخارج الألفاظ بشكل صحيح .. وكان بعد عودته إلى بيته يرتل ما سمعه من شيخه بصوت قوي ومتميز بأداء جيد يجذب كل من يستمع إليه.

الشيخ عبدالباسط لم يتردد فى حمل المسئولية منذ صغره .. فى العاشرة من عمره طلب من والده الذي كان يعمل موظف في هيئة النقل والمواصلات أن يتعلم القراءات ، و أن يذهب إلى “طنطا” لكي يدرس القراءات وعلوم القرآن ، لم يخشى الغربة أو بعد المسافة بين أرمنت وطنطا فقد كان مستعداً للسفر لأن الأمر كان يتعلق بمستقبله.

“تحمل المسئولية” وعدم التردد ظلا طريق الشيخ عبدالباسط طوال عمره .. ففى عام 1950 جاءت نقطة التحول الكبرى في حياته وتحديداً في مولد السيدة زينب ، حيث ذهب إلى القاهرة ليحتفل بالمولد وهناك وجد الليلة الكبيرة يحييها العديد من المشايخ الكبار ، وعن طريق قريب له يعمل بالمسجد بدأ يقرأ وقت استراحة الكبار .. فازدحم المسجد ووقف الناس فى الشارع وكأن على رؤسهم الطير يستمعون للرجل ويطالبون بالمزيد ، انتهى الشيخ عبدالباسط من التلاوة وقت الفجر .. وخرج بعد الصلاة وفى يديه أكثر من عقد لإحياء الليالي ، وقتها اتخذ قرار شجاع آخر .. قرر أن يترك الصعيد ويستقر في القاهرة.

الأكثر اثارة فى حكاية الشيخ “براندو” أنها بدأت من عند الكاتب الكبير أحمد رجب .. والذى جاءه أحد العاملين بأخبار اليوم بصورة الشيخ عبدالباسط وقال له أن هناك سيدة سورية تطارده وجاءت من دمشق خصيصا كى تتزوجه .. وأن الخطابات الغرامية تنهال عليه لوسامته وحلاوة صوته .

القصة أعجبت الكاتب الكبير ، وقام بالفعل بنشرها وأطلق على المقرئ الشاب – في حينها – لقب «الشيخ براندوا» نسبة إلى الشبه الكبير بين صورة المقرئ والممثل العالمي «مالون براندوا» ، ليرتفع بعد ذلك سعر المقرئ الذي زاد حجم شهرته بعد تلك القصة ، وارتفع أجره من 30 جنيها إلى 300 جنيه، وصار واحدا من علامات قراءة القرآن الكريم.

وبعد النجاح الكبير للقصة الخبرية وانتشارها استثمرها الكاتب الكبير أحمد رجب بحرفية شديدة وكتب حلقات وحلقات عن الشيخ براندو ، ومنها ما نشرته مجلة «الجيل» فى الصفحة الأربعين ، بتاريخ 19 مايو 1955 ، حيث اجرى سلسلة حوارات مع عدة فنانات ، وطلب منهن إبداء رأيهن في الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.

ويبدأ أحمد رجب تقريره ممهدًا بأن هذا الرجل المعمم الجميل ذو العينين الناعستين عبدالباسط براندو .. ما هي حكايته مع النساء؟ لا أحد يعرف ..!

ويتابع : «لقد جلست معه عشرات المرات وقى كل مرة كنت أفتش فى معالم وجهه عن السر السعيد الذى يحمل إليه كل يوم فى أسلاك التليفون أصواتًا ناعمة رقيقة تعابث وتضحك ! ويحمل إليه من الأقطار البعيدة قلوبًا هشة أضناها الهوى ! فتشت فى عينيه وفى شفتيه وفى أنفه ووجنتيه وطلبت إليه أن يخلع العمامة ليرينى شعره فخلعها وإذا بى اكتشف أن الشيخ عبدالباسط يقص شعره – دون أن يقصد- بنفس الطريقة التى يقص بها مارلون براندو شعره!».

ويستكمل: «لم استطع أن أصل إلى السر .. فجئت بآنسة جامعية جلست مع الشيخ براندو .. وتفحصته .. وتحدثت معه .. وانصرف الشيخ براندو لأسالها: أين مركز الزلزال الذى يهز به الشيخ الساحر قلوب النساء؟.

وقالت لى: ده وحش .. بس عينه .. يا اختى عليها!!

هل العينان الناعستان هما السر السعيد؟!

ويكمل أحمد رجب :” إن السيدة زوزو ماضى تقول: «شفتاه أيضًا .. لا عيناه فقط ! إنها تؤكد أن شفتى الشيخ براندو اللتين رأت صورتهما مكبرة فى الجيل تشبهان حبتين من حبات الكريز! ولقد طلبت منى السيدة زوزو ماضى- قبل زواجها والشهادة لله- أن أجمعها بالشيخ عبدالباسط براندو لكى تصدر عليه حكمها كاملاً .. ولكننى خفت على زوزو ماضى من أن تجرى لاهثة بعد ذلك وراء الشيخ المتمنع العنيد من بلد الى بلد! إن زوزو ماضى تنظر إلى صورة ساحر النساء المعمم وتؤكد أن هذا الرجل مليء بالسكس! عيناه .. وشفتاه .. ووجهه كله!

السمراء الرقيقة كالروح .. إنها من اشد المعجبات بالشيخ براندو! وعلى الشيخ براندو بعد هذا التصريح من ماجدة أن يواجه كذا ألف متبارز .. من المعجبين بماجدة ! إن موطن إعجاب ماجدة فى الشيخ براندو يتركز فى نبرات صوته الآسر الجميل! .

وسألت ماجدة: هل يمكن أن يقوم الحب على مجرد الإعجاب بالصوت وارتفع صوتها الموسيقى المثير ليقول: أيوة يا سيدي!

قلت لها: أنا لا أتصور!

قالت: أنا أتصور!

ثم استطرد الصوت الموسيقى يقول: إن الإنسان كثيراً ما يتغاضى عن عيوب كثيرة فى إنسان أخر فى سبيل ميزة واحدة يمتاز بها .!

إن الصوت وحده – فى الرجل أو فى المرأة – كافى جدا لإحداث التجاوب العاطفى!.

قلت لها: ما رأيك فى عيني الشيخ براندو .. وشفتيه وشاربه الأمريكى الدوجلاس؟

قالت: كل هذا لا يهمنى .. إن صوته جميل وآسر! .. ثم سكتت ماجدة الرقيقة عن الكلام المباح!

وقبلت هدى شمس الدين صورة الشيخ براندو وهى تقول: يا اختى عليه .. أمور .. أمور !! .. وقالت لى هدى انها تريد ان ترى الشيخ براندو وتتحدث إليه ثم سألت عما إذا كان هذا ممكنا أم غير ممكن! .. وقلت لها إن الشيخ براندو لا يحب مواجهة النساء .. وإنه في منتهى التقوى والروع !.. وقاطعتنى هدى قائلة فى دلال: يا اختى عليه!!

وتقول هدى إن كل ما فى وجه الشيخ براندو جميل ومثير! .. وان عينيه مليئتان بسحر خفى يصعب مقاومته ، وان معالم رجولته واضحة كل الوضوح فى تقاطيع وجهه المتزن الوقور .. وان صوته يبعث الخدر والراحة فى الأعصاب .!

وكاريمان .. الوجه الجديد الفاتن ، إنها تؤكد أن عيني الشيخ براندو فى منتهى الفتنة.. وأن شفتيه فى منتهى الفتنة ولكن وجهه كله – على بعضه- ليس فى قوة عينيه وشفتيه! .. إن كاريمان حريصة على سماع صوت الشيخ براندو فى الراديو .. وهي تقول أن صوته لا يقل جمالاً عن عينيه وشفتيه !.. وأمينة نور الدين تقول إن الشيخ براندو لابد أن فيه سحراً خبيئًا لا يرى بالعين .. وإنما يحس بالشعور .. وهذا هو كل السر فى مطاردة النساء له!

وتضيف أمينة إنها لو أتيح لها الجلوس مع الشيخ عبدالباسط فربما تغير رأيها .. ربما يكون فيه جمال واضح تسطيع ان تدركه بالعين.!

أما زينات صدقى فإنها تركز كل سحر الشيخ براندو فى صوته وتمنعه! وهى تقول إن صوته فيه جاذبية جميلة ساحرة ! .. وإذا أضيف هذا الصوت الجذاب الجميل الساحر إلى تمنع الشيخ براندو على النساء .. فانه يمكن بسهولة معرفة السر الذى يجرى من اجله الجنس الناعم وراء الشيخ! .

وينهى الكاتب الكبير موضوعه الشيق قائلا :” إن العجيب إن الشيخ براندو نفسه يؤمن بأن فيه سحراً يلهب قلوب النساء ! .. فلقد كان يجلس فى «الجيل» ذات مرة عندما دخلت إيفون ماضى مع زوجها إبراهيم عبيد .. وأدار الشيخ براندو وجهه فى الناحية المضادة لإيفون .. وظل رأسه على هذا الوضع حتى خرجت إيفون مع زوجها ..«قلت للشيخ براندو: نسيت أن أعرفك بإيفون! ..فقال: على إيه يا عم .. كده أحسن !.

قلت له: خايف تجرى وراك؟ فقال الشيخ براندو: ما هو علشان كده كنت مدور وشى فى الناحية الثانية !.

استمر أحمد رجب فى استثمار نجاح قصته الخبرية الأولى بإحتراف شديد وشغل الرأى العام كله بالشيخ براندو معشوق النساء إلى أن جاء قرار من الرئيس جمال عبد الناصر شخصيا بوقف النشر .

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

أعمال سفلية  .. الجزء الأول

Read Next

أعظم قصة حب في التاريخ

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular