الليث بن سعد و مآثاره

 

رشدي الدقن

“الإمام الشافعى ” لخص حكاية الإمام المصرى “الليث بن سعد” فى كلمتين ” أَفقه من مالك إِلاَ أَنَ أَصحابه لم يقوموا بِه” .. قاصدا .. أنه فاق في علمه وفقهه إمام المدينة المنورة “مالك بن أنس” ، غير أن تلامذته لم يقوموا بتدوين علمه وفقهه ونشره في الآفاق، مثلما فعل تلامذة الإمام مالك..وللاسف هذا التقصير أضاع منا فقيه وفقه وعلم كبير… الجميع اكد أنه كان “مذهب مصرى” خالص وكامل …ولو تم تدوينه كانت المذاهب الدينية ستصير خمسة وليست أربعة.

 فبرغم شهرة الإمام الليث بن سعد الكبيرة لكن تلامذته لم يحفظوا أثره، حتى أن الإمام الشافعي الذى وصفه بأنه نصير الفقراء، وظهير الضعفاء، عزيز النفس، صافي الوجدان… حاول أن يجمع من تراثه وآثاره قدر ما يستطيع ..وعانى كثيرا ولم يصل للكثير .. ومن بعده بقرون عانى أيضا الأديب الكبير “عبدالرحمن الشرقاوي” وهو يجمع ما ورد عن الإمام الليث بن سعد ليضمنه فى كتابه “الأئمة التسعة”وتركه لنا لنقرأ ونحزن على إضاعتنا لتاريخ وفقه وعلم الإمام الجليل .

وفى الحقيقة، لا يعرف الواحد كيف يندثر أثر رجل كهذا كانت له من المكانة ما جعلته مقصدا للعامة والخاصة والصفوة والملوك والفقراء والمساكين، وكيف لا يحتشد تلاميذ الإمام الليث وراءه ليدونوا كل ما يكتب مثلما فعل تلامذة أبي حنيفة ومالك والشافعي، والغريب أنه كلما بحثت وقرأت عن هذا الرجل لن تصادف إلا بهالة من تفخيم وإجلال وإعجاب.

الإمام الليث بن سعد المولود فى قرية صغيرة تابعة فى الدلتا منتصف القرن الثامن الميلادى”سنة 93 هـ”، من أسرة غنية…عاش 82 عاما ملأ فيها الدنيا من حوله “بالخير، والعلم، والمعرفة، وآداب السلوك، وأسباب المحبة”

وكانت له اجتهادات تحرص دوما على إقامة العدل بين الأغنياء والفقراء فيقول “على صاحب الأرض أن يعمل فيها أو يستغلها بالمزارعة ويقسم الثمرات بينه وبين العاملين.فله نسبة منها لا تجحف حق العاملين ولا تظلمهم”.

مثلما كان حريصا على الدين فاجتهد حتى بات يسعى إليه كل فقهاء عصره، كان حريصا على مصر وعلى طريقة حكمها وهو ما جعل الخليفة العباسى المنصور يدعوه ويلاقيه.. وامر له بمبلغ كبير من المال ..وصرف الامام الليث بن سعد كل ما أعطاه له ” المنصور” من مال للمحتاجين فورا.

لقد نادى الإمام الليث بن سعد بأنه ليس من حق أحد أن يحتفظ بمال إلا إذا بلغ الناس حد الكفاية والحكام وولاة الأمور مسئولون أمام الله ان يوفروا للناس جميعا…حد الكفاية لا حد الكفاف شارحا أن ..حد الكفاف هو ما يحفظ للناس حياتهم من الطعام والشراب..، أما “حد الكفاية” فهو ما يكفى كل حاجات الناس من جودة الطعام والشراب والمسكن الصالح المريح، والدواب التى تحملهم، والعلم الذى ينقذهم من الضلال، وسداد ديونهم، وكل ما يوفر الحياة المريحة الكريمة للإنسان.

الإمام الجليل عرف عنه ايضا بأنه يؤمن بالتنوع والتعددية ومدافع أمين عن الحرية الدينية …ويحكى عنه أنه ذات مرة أمر أحد ولاة مصر بهدم الكنائس.. فما كان منه إلا أنه أرسل إلى الخليفة طالبا عزل الوالى لأنه مبتدع، مخالف لروح الإسلام… مستشهدا بقوله تعالى “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها” ثم وعيده تعالى “لهم فى الدنيا خزى وفى الآخرة عذاب عظيم”.

وأوضح الإمام الليث إلى أن الآية نزلت فى الروم الذين فتحوا بيت المقدس، فمنعوا الصلوات وأحرقوا الكنيسة، فلم يوجد نصرانى إلا أنهك ضربا ، وتأكيد أن بناء الكنائس زينة للأرض أيضا.

الخليفة استجاب للإمام وعزل الوالى.. وجاء الوالى الجديد يسعى إلى الامام “الليث بن سعد ” يسأله المشورة.. فطلب منه أن يعيد بناء ما هُدم من الكنائس، وأن يبنى كنائس جديدة.. وأن تظل للكنائس حرية العبادة فيها مع حمايتها وحماية من يصلون فيها.

الإمام الليث بن سعد ساهم فى تكوينه ومعارفه أنه تعلم اضافة للعربية اللغة المصرية القديمة والقبطية والتى من خلالها اطلع على كل الإعجاز المصرى القديم فى علوم الفلك والطب والرياضيات والطبيعيات والهندسة … وبالإضافة للغتين القبطية والعربية كان الإمام الليث يعرف أيضا اليونانية واللاتينية.. الأمر الذى أتاح له التعرف إلى ميراث علوم الأسلاف، واستيعاب معطيات الحضارة المطروحة على العقل المصرى ..وأتاح هذا كله للشباب من تلاميذه نوعا فريدا فى الثقافة.. وفوق ذلك نجده وقد عكف على كل الحلقات العلمية بإنفتاح فى جامع عمرو يتلقى التفسير والحديث والفقه.. والنتيجة أنه تمكن من مفاتيح العلوم الدينية كما تمكن من العلوم الدنيوية وألم بالأدب قصصه وشعره بأنواعه حتى شعر الغزل.. وتجلت موسوعيته فى اجتهاداته التى حظيت بالإعجاب والتقدير من الجميع حتى مخالفيه.

وكان للإمام الليث بن سعد حس اجتماعى راق ، وله مواقف نقدية واعية.. فلقد كان أشد ما يسوءه من ولاة الأمر أن يقبل أحدهم هدية ، لأنه: بحسب الإمام إذا دخلت الهدية من الباب، خرجت العدالة من النافذة».

وكان يقسم وقته بين أربعة مجالس: الأول للحاكم والقاضى ..والثانى لأهل الحديث.. والثالث للناس أسماه مجلس المسائل ليجاوبهم عن أسئلتهم .. والرابع لتلبية حاجات الناس الحياتية من مأكل وملبس… وهذا المجلس كان يستهلك إيراده السنوى الكبير.. أى أنه كان ينفق من ماله الخاص.

وكان من أبرز صفات الإمام الليث بن سعد صفة الكرم والسخاء، فمع كثرة علمه وفقهه وورعه كان رحمه الله كريمًا معطاءً، حتى عُرف بهذه الصفة وصارت من سجاياه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال وله مواقف كثيرة تدل على كرمه وعطائه وعظيم فضله، وقيل أنه كان ذا ثروة كبيرة يدخل له سنويا ثمانين ألف دينار ..مصدرها الأراضي الشاسعة التي كان يملكها، لكنه كان رغم ذلك زاهدًا ، فكان يُطعمُ النَّاس في الشتاء الفطائر بعسل النَّحل وسمن البقر، وفي الصيف كئوس اللوز في السُكَّر.. أما هو فكان يأكل الخبز والزيت .. وقيل في سيرته: أنه لم تجب عليه زكاة قط لأنه كان كريماً يعطي الفقراء في كل أيام السنة ، فلا ينقضي العام عنه حتى ينفقها ويتصدق بها.

وقدر ذكر الإمام مالك موقف له قائلا : كتبت إلي الإمام الليث بن سعد في قليل “عصفر ” نصبغ به ثياب صبياننا وثياب جيراننا فأرسل إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا وبعنا ما تبقى بألف دينار… والعصفر هذا مادة تصبغ بها الملابس.. الإمام مالك طلب من الإمام الليث قليلًا، فأرسل له ما يكفيه وجيرانه وتبقى منه ما باعه الإمام مالك بألف دينار.

وذكر أيضا أنه “لم يتناول طعامه إلا مع الناس في موائد مفتوحة للجميع مرحبا بكل من يراه، وكان يتحرك في النيل بـ3 سفن؛ واحدة له ولأهله والأخرى لضيوفه والثالثة لمطبخه يطعم منه البلاد التي يمر بها”.

جاءته امرأة ذات يوم وقالت له: يا شيخنا، إن لي ابنًا مريضًا يشتهي أكل العسل، فقال الليث: يا غلام، أعطها مرطًا من عسل (والمرط: مائة وعشرون رطلاً) وكان مع المرأة إناء صغير الحجم، فلما رآه الغلام قال: يا شيخنا إنها تطلب قليلاً من العسل، فقال الليث: إنها طلبت على قَدْرِهَا ونحن نعطيها على قدرنا، وأمره أن يعطيها المرط.

ولم يكن الليث بن سعد كريمًا على أهل بلده فحسب، بل كان سخيًّا كريم اليد على الآخرين، فيحكى عنه أنه لما جاء إلى المدينة المنورة بعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق من الرطب، فلم يشأ الليث أن يرد الطبق إلى الإمام مالك خاويًا، فوضع في الطبق ألف دينار ورده إليه.

وقد عرض عليه الخليفة المهدي ذات يوم أن يتولى القضاء، ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فرفض وقال: إني عاهدت الله ألا ألي شيئًا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله ألا أفي بعهدي.. قال المهدي: انطلق فقد أعفيتك، وكان الليث زاهدًا في حكام الدنيا، مشغولاً عن الجاه والسلطان بغرس الأخلاق العظيمة في نفوس الناس، وكان يصل النهار بالليل في العلم والعبادة ليرضي ربه.

الخلاصة الإمام الفقيه الليث بن سعد بلغ مبلغا عاليا من العلم والفقة الشرعي بحيث إِنَ مُتولِّي مصر، وقاضيها، وناظرها كانوا يرجعون إِلى رأيه، ومشورته..وكان واسع العلم وشديد الهمة، سخي القلب والروح واليد.

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

خادمة الزين … الجزء الأول

Read Next

في ذكرى وفاة فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular