فؤاد الأول …. قصة قصيرة

 

  سمير الفيل

نعيم عوض الله رجل بصباص . كل من في الحارة يعرفون هذا عنه، غير أنه لا يعتدي أبدا على نساء الحارة بالكلام أو بالإيماءة، بل يخرج ليتشمم نساء غريبات، ويكتفي بتلقيح الكلام، فهو ينظر للسماء مثلا، يقول: ” القمر بعيد .. مين يقرب لي القمر”؟!”.

أحيانا يتفتق ذهنه عن حيلة ليقول كلماته المشحونة بالرغبة، ويمضي في سلام، عندما يرى امرأة جميلة، يصيح في حائط بجواره: ” أنا عاشق جمال النبي “.

يحرص حين يتكلم أن يمسك بيده كوب شاي تفوح منه الرائحة العطرة ، لا ينتهي منه قبل مرور فتاة أو ظلها، ففي رأيه أن الشاي يهب العاشق شحنة من الصفاء تجعله يسمو لسابع سماء : الصحة وسلامة القلب.. يا رب.

نعيم رجل هلاس، فهو يذهب كل ليلة ليشرب قطعة الحشيش التي توضع على كرسي الجوزة، عندما يسطله الدخان الأزرق، يمدد رجليه ويشوح بيديه: ” الجمال نعمة. من لا يصونها يعمى”؟!

نعيم رجل خباص، فهو حين يذهب إلى السوق ليشتري قميصا جديدا من الحرير، يختلف على السعر، يقوم من مجلسه ليؤكد أن هذا الثوب بالذات مهرب من جمرك بورسعيد. فيضرب البائع أخماسا في أسداس، ويهم بلطمه غير أنه يعرف كيف يترك المكان في اللحظة المناسبة.

لو سألتني : ماذا يعمل نعيم عوض الله ؟!

 سأنتظر بعض الوقت لأقول لك : هو سمسار، وحمال، وتاجر بيض بلدي، وحداد عند الطلب، ومخلص جمركي، وشاهد زور إن كان عنده وقت للذهاب إلى المحكمة.

لا يصلي نعيم عوض الله سوى يوم الجمعة، ويحرص على الوضوء في ميضأة الجامع ثم يتجه للصفوف الأولى حتى يكون ثوابه مضاعفا. يقول لمن يلومه : ربنا يقبل توبة العبد، فمالنا بالحر .

الحقيقة أن نعيم عوض الله محل جدل لا ينتهي، فهناك طائفة من أهل الحارة تعترف بعيوبه، ويجدون أنه واضح وصريح ولا يزعم التقوى في الخفاء. يقابلها طائفة تراه ممعنا في الضلال، وعلى الحاكم العادل إقامة الحد عليه حيث يخوض في مسائل دينية ليس متفقها فيها.

أغرب ما ينسب إليه حكايته مع أنغام الممرضة بالمستشفى التخصصي فقد خطبها بخاتم وسلسلة من ذهب عيار 21 . وحينما كانت تجهز نفسها طلب منها سلفة مالية ليتاجر في قطع الرخام، ولما خسر كل أمواله، وعدها برد ما أخذه غير أنه اختفى لعامين، والفاتحة مقروءة.

عاد بعدها لبيت العائلة الذي يوشك على التهدم، ومعه امرأة وطفل في اللفة، قال لمن قابله: هذه زوجتي ” نجية “، وهذا ابني ” فؤاد الأول” . هكذا اسميته وإن شاء ربي سيكون لي ” فؤاد الثاني ” و” فؤاد الثالث ” . لاشك عندي أن واحدا منهم سوف يضع التاج على رأسه، ويمسك الصولجان بيده . سوف يحكم بالعدل، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

راجعه أهل الحارة قائلين له : الملكية انتهت، وأنت كشخص لا تجري في شرايينك دماء زرقاء!

ماذا يمكنه أن يفعل، هذا الشخص البصباص، الهلاس، الخباص ؟!

جاء بالمشرط، وجرح يده، فسال الدم على معصمه، نادى أصحابه الذين انزعجوا لمرأ ى الدم . قال لهم كي يخجلهم ويضعهم في موقف الضعف : انظروا للون الزرقة. قولوا الحق ولا تكذبوا. الكذوب في النار الموقدة .

حدقوا في الدم الذي بدأ في التجلط، فوجدوا زرقة غير معهودة، زرقة لا يمكن إنكارها . نطق أكبرهم سنا: معك حق. دمك أزرق لا جدال في ذلك. لكن يا سيد نعيم، الملكية ألغيت. وأنت مهما رحت أو جئت، صعلوك مثلنا . فما الذي يحشرك بين الملوك ؟

لم يتلجلج نعيم في كلامه، بل صارت حجته أقوى، وهو يرصف الكلمات المدججة بالشواهد : يبدل الله المرء من حال إلى حال.

 من زاوية بالمقهى صرخ شخص يكن له العداء : ونقود أنغام؟؟

 رد عليه وهو يرمقه بغل وعناد فيما يواصل شرب قهوته: في موعد محدد، سيصلها المبلغ بلا نقص قرش واحد.

وقد سدد بالفعل كل ديونه، وكان يخرج مع نجية، وهي مكشوفة الشعر، إذ ترتدي أزياء مودرن، وذراعها في ذراعه كالأجانب . لو رفع أحد شباب المقهى عينه في عينيه النافذتين، يقف كي يرغمه على الانكماش في أحد الاركان: خليك في حالك.

نشأ الابن فؤاد محتفظا باللقب الذي وسمه به” فؤاد الأول”، وبالرغم من أن موظف السجل المدني رفض التسمية وكتبه باسم ” فؤاد” فقط، فقد جرى اسم الشهرة على لسان الجميع.

 مات نعيم عوض الله ذات مساء، وهو يعبر شريط القطار دون أن يأخذ حذره. وجدوا جثته وقد تمزقت إربا عند الفلنكات الخشبية، وكان وقتها في عز شبابه، صحيح أنه لم ينجب ” فؤاد الثاني” ولا ” فؤاد الثالث” لكن نظرته الملكية ظلت تهيمن على المكان .

شيع أهل الحارة القتيل في جنازة مهيبة، أغلب من مشى فيها طلب له الرحمة فهو رغم تفانينه الغريبة ابن لهذه الحارة البائسة. قليل ممن رفض المشي في الجنازة دعوا الله أن يسدد رأسه في جهنم حتى يكون عبرة لمن لا يعتبر .

كل الحارة تعرف أن الله حليم ستار، استمرت نجية تسكن الحارة مع ابنها” فؤاد الأول” ولم ترض بالاقتران بأي عريس ممن تقدموا لها، لأنها تدرك في قرارة نفسها أن زوجها كان عشري، كريم، واصل للأرحام.

ربما حين يكبر ” فؤاد الأول”، تتحقق نبوءة الأب حيث يكون للابن شأن عظيم، هي الآن تغلق النافذة المطلة على نهر الشارع، وتحكم وضع الترباس، ككل البيوت الآمنة في الحارة. وهي تتمتم في سرها : ولا يوم من أيامك يا نعيم باشا.

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

عيد الفطر و فرحة الانتصار

Read Next

فضاء النقد …نجيب .. وإحسان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular