صانعة الفخار.

 

 بقلم إبراهيم الصعب

لم تكن أيام أجمل من تلك الأيام التي قضيتها بقوقعتي وحيدا لا أعرف أي شيء ولا أملك أي شيء حتى أنني كنت أعمى لا أرى ، أصم لا أسمع ، ولكن كنت سعيدا ، لا أعرف سواها ، فهي كل ملكي ومملكتي ، إلى أن أتى ذلك اليوم ، يوم رأيت النور ، وخرجت من قوقعتي إلى الأبد ، وذهبت تلك السعادة المفقودة ، التي سوف أبحث عنها لحين مماتي ولن أجدها ، لا أريد تذكر ما حدث يومها ، ولكن كان حولي نسوة كثر ، واحدة تسخن الماء ، وأخرى تحمل مناشف تريد احتضاني ، وعجوز تحمل سكينا صغيرة تستعملها لقطع الحبل الذي كنت أتشبث به بقوقعتي ولا أريد تركها ، ومن بينهنّ كانت امرأة تقف من بعيد ، غير آبهة بما يحدث ، يبدو أنه لا يراها سواي ، كنت أظن أن الموقف الاعتباطي حينها لا يسمح لأحد بالنظر إلى أحد ، علقت من قبل تلك المرأة رأسا على عقب ، وصفعت أول صفعة على مؤخرتي ، وما إن أخذت أول نفس حتى اقتحمت تلك المرأة صدري وشقته بمبضع خاص ، وفتحت بجسدي الصغير فتحة ووضعت جرة من الفخار وخرجت مسرعة ، تم لفي بقطع كبيرة من القماش الأبيض وكأن أمرا لم يكن ، فلا يوجد جرح ، ولا حتى أثر ، كيف هذا لا أعلم ، وأعطيت لامرأة أخرى ، يبدو أنها تحبني كثيرا ، بل احتضنتني وقبلتني، وسرت كثيرا بي ، كنت أسيرا بين تلك اللفائف لا أستطيع الحراك ، ولا أقوى عليه ، أما تلك الجرة الفخارية التي بداخلي يبدو أنها مليئة بأمر ما بدأت تنسكب وتغرق صدري ، وأنا أنجذب لتك المرأة وأحبها ، لا أعرف كيف ، يبدوا أن الجرة تحتوي على شراب سحري يجعلني أنقاد وأشعر بالحب لها ، لتلك التي احتضنتني ، بل وأعطتني قطعة من جسدها يسيل منها شراب دافئ حلو المذاق ، كان طعامي وشرابي، بل وتسليتي ببعض الأحيان ، فلا شيء أعرفه إلا هو ، الشراب السحري ، الذي به كل شيء ، من الدواء والراحة والدفء وكل شيء يحتاجه جسدي الضعيف ، أما تلك الجرة فلا زالت تسيل ، يبدو أنها لا تفرغ وأنا أزداد تعلقا بتلك المرأة التي علمت فيما بعد أنها أمي ، والتي أعتمد عليها بكل شيء وهي رغم عجزي وضعفي، والمشاكل الكثيرة ، التي أسببها كانت لا تبدي أي انزعاج، بل وتقبلني على أفعالي ، يبدو أن بداخلها جرة سحرية من نوع آخر تدفعها إلي تحمل أفعالي ، كانت الأيام تمضي مسرعة وأنا أكبر ، مضى وقت طويل ، ولم أر تلك المرأة العجوز ، بعد مضي عدة سنوات ، دخلت من دون إذن إلى بيتنا الطيني، ولم تعر أحدا انتباهها سواي ، أخذتني وشقت صدري بمبضعها ووضعت جرة أخرى مماثلة للجرة الأولى ، كيف دخلت ولم يرها أحد ، ما سر مبضعها الذي لا يحدث ألما ولا يترك أثرا ، من هي التي تأتي ولا تتكلم ، ولم تفعل بي هذا ، لم أكن أملك تفكيرا حينها لأعرف ، وبالمصادفة يومها كانت أخت أمي التي هي خالتي تجلس عندنا ولديها طفل مماثل لعمري ، كان يحمل بيده لعبة ملونة جميلة ، لا أعرف حينها كيف مددت يدي وأخذتها عنوة منه وبدأ الصراخ حينها فكلانا يريدها ولا أحد يفلتها وبين شد وجذب بيني وبينه أخذتني أمي ووضعتني بحضنها وسكبت بفمي من الشراب السحري حتى سكت ونسيت أمر اللعبة ، وتوالت الأيام وتلك المرأة تضع بصدري جرار الفخار وأغلبها كان مليئا، وينسكب ما بداخلها بصدري ، ولا أعلم ما هي ، كنت قد اعتدت زيارتها بين الحين والآخر حتى لم أعد أعرها انتباهي ، فهي لا تؤلمني وإن كانت تشق صدري ، كبرت وأصبح عمري ست سنوات ، ذلك الصباح وأمي تعد حقيبتي لأول يوم لي بالمدرسة ، كنت سعيدا فثيابي جميلة وشعري مسرح ، حذاء جديد وشطائر الزبدة ملفوفة وموضوعة بالحقيبة، لم أكن أعلم أن تلك العجوز موجودة على باب المدرسة وقد صنعت جرة كبيرة جدا ، يمكن القول أنها أكبر من جميع الجرار التي وضعتها بصدري ، كيف سوف تحشرها بداخلي ، لا أعرف ، يبدو أن الأمر سوف يكون صعبا ، كنت غائبا عن الوعي لبرهة أمام الذي سوف تفعله ، كعادتها أخرجت مبضعها وشقت صدري وبدأت بحشر جرتها الفارغة ، لا أخفي أن الأمر كان سهلا وصعبا بذات الوقت ، ولكن الأمر الذي لم أكن أعرفه هو أن علي تعبئتها ، بماذا وكيف وإلى متى لا أعرف ، دخلت الصف وجلست بمقعدي ونسيت الأمر ، دخلت معلمتي ، كانت لطيفة محببة إلى النفس تتلمس شعري الناعم ،أحببتها ودخلت إلي نفسي التي أحست بجرة من الجرار بدأت تسكب سائلا دافئا، غمر صدري ، كان شعورا جميلا ، بدأت تكتب على السبورة وأنا مشدود إلى الذي سوف تكتبه ، أريد تعلمه ، وعند نهاية الحصة تعلمت أول حرف لي ، عدت بالذاكرة إلى تلك الجرة الكبيرة الفارغة ، نظرت إلى قعرها العميق ، وإذا بالحرف كان موجودا ، علمت أن علي ملأها بالعلم ، ولكن يبدو أنها تحتاج الكثير والكثير ، ومن حينها وأن أقذف بداخلها ما أتعلمه من معلمتي ، ولكن لا يبدو عليها أن بها شيء ، فهي شبه فارغة ، رغم هذا كنت أسعد بالذي ألقيه بداخلها ، هي حصالتي ورغبتي وطموحي، بدأت تلك الجرار تتكدس وتختلط ألوانها وأشكالها، أحيانا كان يسكب بعضها ببعض، فأصاب في الحيرة ، أي واحد سأتذوق ، منها المالح ومنها المر ، والقليل جدا كان حلوا ، لها طعوم كثيرة ، حتى بعضها كان له طعم لاذع ومؤلم ، وكان يصب بداخلي عندما كنت أفقد أمرا ، أذكر بيوم من الأيام عندما فقدت قطتي أن تلك الجرة بقيت تسكب حتى وصل الشراب اللاذع إلى حنجرتي، وبدأت أتألم ولم يكن غير البكاء يريح ألمي ، مع تقدمي في العمر أصبح صدري عبارة عن مستودع كبير جدا من الفخار والأواني ، ولا زالت تلك العجوز على طبيعتها ، ولكن كانت تأتي بالأواني فارغة ولم تعد تأتي وبها أي شيء ، ولكن كنت حرا ، أيها أملأ وأيها ، أتركه فارغا، فالبعض منها يحوي على سوائل نتنة ، قبيحة الرائحة واللون ، وهذا ما يكدر صدري ، أذكر يوما حينما كنت غاضبا ، من أحد الناس، لا أخفي أنني كرهته ، لأمر ما ، فوجدت جرة من الجرار وقد بدأت بالتعبئة ، والأمر المحير، أنها بدأت تملأ ما بداخلها وتختلط، مع الأواني الأخرى ، وهذا ما جعل صدري حينها قبيحا ، لا يطاق، علمت حينها أن علي الهدوء ، وتذوق الصبر ، الذي كانت جرته مالحة ولكنه كان مطهرا لصدري ، فالكثير من الحضارات كانت تستعمل الملح للحفظ والتعقيم، وهذا ليس على الجوارح فقط ، بل على الصدور أيضا ، بدأت أفهم ما علي فعله ، صببت تركيزي على الآنية الكبيرة ، والأواني الطيبة الرائحة ، وتركت تلك القبيحة ولم أعرها أي انتباه ، هذا ما جعلني محبوبا بين الناس ، مضت الأيام وأنا عبارة عن أواني ، الكثير منها بداخلي ، تذكرت أول آنية وضعت بداخلي ، أذكرها جيدا ، تلك التي دفعتني إلي الحياة ، لأستمر لها ، أذكر يوما كيف اختلطت بالشراب الدافئ الحلو ، كان مزيجا رائعا عندما تكون نسبه متساوية النصف بالنصف ، ولكن إن زاد الحد ، أصبح سيء التفكير ، أنصاع لأوامر لا أريدها ، أحاول الصمود ، أحيانا أفشل وأخرى أثبت أمام قوته ، فكنت بين قوة وضعف أمام طعمه ، أما تلك المرأة العجوز التي بدأت أفتقدها ، قد غابت عني لفترة طويلة من الزمن ، لم يكن أمرا أتذكره كثيرا ، غيابها أو وجودها ، إلى اليوم الذي تقدم بي العمر ، وأصبحت كل تلك الأواني جاهزة ، بعضها بقي على حاله ، وبعضها كان نصف ممتلئ ، بدأت أفكر من هي ، لجأت إلى آنيتي الكبيرة جدا حتى علمت أن المرأة هي الحياة ، وكل أوانيها عبارة عن المشاعر والأحاسيس، الغرائز والتفكير ، العلم ، الكره ، الحب الغضب ، فكل إنسان يحمل بداخله كل تلك الأواني ، ويملؤها بالذي يريد ، بعد غياب طويل أتت تلك العجوز، ليس على عادتها ، لم تكن تحمل جرة ولا مبضعا ، بل رحى كبيرة ، دخلت إلى صدري ، وبدأت تستخرج كل الأواني، تحطمها ، وتسحقها ، لم يكن بها أي رحمة ، حتى أخذتني ووضعتني بين حجري رحاها وسحقتني ، بكل ما أملك لم تبق مني أي أثر ، إلا آنيتي الكبيرة آنية علمي وأخلاقي ، جعلت منها عطرا تنثره على جسدها ، وثوبا من نور تتزين به لك إنسان يرى أثري…….

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

شيخ الحارة (قصة قصيرة)

Read Next

أعمال سفلية  .. الجزء الأول

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular