خام

محمد القماري

في لحظات هُطول الشتاء تأتي مكالمتها كغطاء دافئ في ليالي الشتاء الحزينة، صوتها العذب يداعب أذني، ويجعل إيقاع زخات المياه على سطح السيارة أكثر عذوبة من أي مقطوعة موسيقية قد تسمعها يومًا.

مشاعر تغمرها رائحة الياسمين، عطر أمنية المفضل.

كان أول لقاء لي حينما طلبت سيارتي من أحد برامج التوصيل، ونشأ بعدها علاقة صداقة سوية لا يتخللها أي مشاعر شاذة أو همسات لاذعة منحرفة، صداقة فقط.

لا تنخدع في عملي، فأنا تركت العمل في إحدى دول الخليج منذ ثلاث سنوات لأسباب خاصة، وكانت حياتي هادئة حينما عدت من السفر.

وكانت لأسباب خانقه، يعتبرك البعض ثري عربي أو أنك تحصلت علي جبل من رمال الذهب.

لقد كنت مرتبطًا بفتاة قد عزمت على فسخ خِطبتي منها بأبشع صور الانفصال بعد عودتي من السفر.

كانت القمر لسمائي فقط، ذكري همساتها تجعلك تعمل يومك منتهي النشاط والحيوية، حب كبير، و حلم و كأنك حققته بعزيمتك ووصلت و فزت بها لكنى مخطئ أنا من وقع فريسه، في خيوط نسجتها بخبث و لؤم،

حتى اكتشفت مجموعة من خياناتها فقط بالصدفة ، بأنها تحاول إغواء شباب المغتربين بالخليج تحديدًا.

حيث عندما خطبتها لم تكتف، وظلت تحاول مع العديد من المغتربين، وبالصدفة البحتة وجدت أحد زملائي يضع صورتها على خلفية هاتفه المتحرك.

مما شجعني لاختراق حسابها الشخصي.

جميل أن يضعك الله في موقف ينتشلك من براثن الكذب والخديعة، إلا أن الحقيقة دائمًا وأبدًا أكثر من بشعة، حيث لم تكتف صابرين بالخيانة أبدًا، لقد اكتشفت أنها مُخطوبة لشخص آخر، وكما حاولت معي جاهدة لسحب أموال بحجة تشطيب محل الزواج قد نجحت معه بجدارة في سحب خمس مئة ألف جنيه.

كانت قصة غير اعتيادية، قد رحمني الله منها، وعد مني لم نلتقِ في ذلك الحياة ولا في أي حياة أُخرى، لقد فقدت الوعي والقدرة على التعبير ومناجاة الخيال في بعدها، جعلتني شاعرًا أتغزل في تفاصيلها .

وإن كنت شاعرًا يومًا، فكلماتي شاعرة بالندم على شعوري الآن تجاهها.

ظلت صابرين أحد السدود المنيعة بيني وبين الارتباط بأمنية أو بأي أنثى أخرى.

أعلم أن أمثالها لا يتعدى الواحد بالمئة، إلا أن تأثير الصدمة علي قوي، مما جعل فكرة التفكير بأمنية أمرًا شديد الصعوبة، انجذابي لها تحول إلى تعود مع مرور الأيام.

لم يكن هناك لقاءات بالمعنى المفهوم، سوى أنني كسائق مستأجر أتواجد مع عائلتها بصفة مستمرة، أو أُوصلها حينما أكون قريبًا من الجامعة، فرح عائلي، أو زيارة إلى المستشفى، أو سفرية قصيرة لوالدها، ويستمر الأمر كذلك لفترة.

لقد أصبحت صديقًا للعائلة بالكامل، ومعهم في جميع المناسبات.

لقد أصبحت فردًا من العائلة، حتى أن باقي الأسرة في العديد من المناسبات ينتظرونني ويسألون عني.

واكتفي دائمًا بالخروج من إطار الصورة الأسرية، وأرضي فقط بالعمل كسائق، انتظرهم خارج قاعات الزفاف او في المناسبات لا أكثر،

حتى إذا يوما طفح كيلها تمامًاوحينما استقلت سيارتي، قالت:

_ “ألم تبارك لي؟”

_ “ألف ألف مبروك، لكن لماذا؟”

_ “سيحضر اليوم زميل لأبي في العمل، قاصدًا خطبتي.”

لم أستطع الحديث بعدها حوالي الثلاث دقائق، وأنا صامت دون همسة بيني وبين نفسي. أحببتها أم لم تحبها؟ أم أنك معجب بها؟ أو أنك أصبحت لا تثق في النساء؟ حالة عجيبة من البلادة تتملكني، وهي تستطرد قائلة:

_ “ألم تقل شيئًا؟”

_ “ماذا أقول؟”

_ “ليس لديك شيء لتقوله، أليس كذلك؟ دعني أنزل هنا.”

لم استطع مخالفتها شيئًا، ووقفت في قارعة الطريق ووضعت حساب التوصيلة على المقعد المجاور لي، وترجلت من السيارة واستقلت سيارة أجرة أمامي.

لم أستطع البوح لها بما حدث، لم أستطع أن أقول لها أنني فقدت حس الأمان مع أي أنثى، وبرغم اشتياقي لها في بعض الأوقات، الا أنني أتمنى لها الأفضل.

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

محمد سعد من القمة إلى القاع

Read Next

أبليــــس – الجـــزء الثــالــــث

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular