بعدما فات الأوان .

الحكواتي محمد القماري 

هو طبيب وأنا جاريته.

نعم، جاريته لقد اشتراني من سوق الرقيق، أظن ذلك.

اطبخ و أكنس و أنظف وأجلس في انتظاره،

برغم أن عملي مضمون، إلا أنني فضلت البقاء في المنزل برغبتي.

  لقد امتلأت أركان المنزل غضبًا ، وصرت أفتش عما يشغلني بعد انتهائي من كل ما يخص وسائل التواصل الإجتماعي ،وفيديوهاته المكررة و اليوتيوب و غيرهم.

أريده حقيقيًا، أريده معي، يجلس معي و يلاطفني كالسابق، لكنه طبيب.

لا، وطبيب نساء وتوليد.

 اعتقدت يومًا بأن عمله لن يجعلني يومًا أغار، أو أسأله ماذا يفعل في عيادته ليلاً ونهارًا؟

 حتى أنني جلست أشاهد طبيعة عمل دكتور النساء على صفحات اليوتيوب لشهور ، فقط لأن خيالي يرسلني لأبعد من ذلك بكثير.

أتخيل السمراوات والشقراوات والنحيفات والبدينات على سرير الكشف، ماذا يفعل معهن؟ وكيف يكون ظريفًا ورائعًا في اللقاءات الدعابات والهمس، ناهيكم عن دعابات الفراش القذرة الممتعة.

هل هذا حقيقي؟ هل بينهم من تقتحم حياته حيث زيارتها له في العيادة طبيعية جدًا؟

طبعا مريضة و طبيب، من يشك بها؟

هل يخونني؟ لقد وصلت لمرحلة رؤيته معهن في الفراش وفي غرفة العمليات.

أحلامي تقودني للجنون، لماذا يعود مرهقًا كل ليلة؟

ماذا يفعل؟

 أليس كشفًا وننتهي، أم أن هناك ما يرهقه؟

ملل، ملل، ملل، من تتزوج طبيبًا، حياتها بالكامل ملل.

دخول المنزل نفس الكلمات ونفس ردود الأفعال، كأنه روبوت مبرمج على ذلك.

يأكل ويستريح قليلًا، وإذا كان هناك أي زيارات أو طلبات عائلية، أو حتى ذهابنا للتسوق، نعود للمنزل لدقائق يتفحص بريده الإلكتروني، ثم ينغمس في كتبه و مراجعه المكونة من خمس آلاف صفحة.

حتى إذا سألته “هل ستنام؟”، يكون اعترافًا خطيًا مني بأنني أشتهيه وأشتهي لمسه جسدي.

أشتهي أن يراني متجددة بذلك القميص القرمزي.

اشتهي الصراخ و ملئ ذلك العالم باحتياجي للمغازلة أكثر منها للجنس.

أصبح ذهابي للصالة الرياضية في النادي شيئًا أساسيًا يوميًا، وكان ذلك آخر قراراتي بعدها كل شيء فعلته كنت منقادة إليه، لا أكثر.

متسولة تبحث عمن يشتهيها ، ويدب في أعماقها روح الحياة بالغزل مرة أخرى، أجري في مضمار السباق وأعلم أنني لا أمتلك من الحسن الطبيعي ما يثير اللعاب.

إلا أنني ابتعت ملابس داخلية عالية الهمه مبطنة بالإسفنج ، صدرية وشورت يعجون اهتزازًا و مرحًا في خطواتي التي تهتز أركاني الصلبة بها، وتسعدني لسعات الغزل طوال ركضي على المضمار.

أشعر بهطول أمطار فصل الصيف في تعرق جسدي الذي يشتهيه كل من نظر له، أو مر أمامي أو تتبع خطواتي من الخلف، ليظل ينظر إلى جسدي.

بضاعة حاضرة، يا سادة، بضاعة حاضرة، يا عالم للنظر. هل من مشتهٍ؟

هل من حديث معسول ، أو من نظرة ملتهبة متحفزة؟

كل باهت تعود ألوانه للحياة، وكل ضامر يتجدد و روحي، تنبض بالحياة.

أدخل الصالة الرياضية والنشاط والحيوية تملأ جسدي بهجة، وكأنني عارضة أزياء تتباهى برداء العرض.

كل يوم، نظراته تقتلني وأشعر بذلك البحر الدافئ يتسلل مني بخطواته، قامته الرائعة وشعره الغزير ، وعضلات صدره تفتك بي.

لقد استوقفني وأنا أحاول تصويره، وقد نفيت ذلك.

فأخذ الهاتف مني بعنف، وقد عشقت لحظتها عنفه وسطوته، فتح ملف الهاتف وجد به مجموعة من الصور له ولفتيان غيره في الصالة، نظر لي نظرة انتقام وقال بصوت الرعد يخرج من فمه:-

 “انتظريني لو سمحت في مكتب الإدارة”.

كانت نبرته تقلقني كثيرًا، إلا أنني على علم بأنه ليس لديه الحق في شيء من هذا.

لكنني كنت مترقبة غير ذلك، أترقب انقضاضه علي وتقبيلي بعنف.

وصلت إلى المكتب وهو خلفي، أغلق الباب بقوة حيث لا يسمع من الخارج بأنه أغلق لسان القفل أيضًا.

يقف بعيدًا ، و انظر إليه بنظرات ساديه، و لساني يخرج من فمي ليبلل شفتي بأسلوب قذر لم أعتد عليه، ولا في أحلامي.

انقض كالوحش الكاسر علي رقبتي يقبلها ،و يتحسس جسدي بالكامل.

كانت مشاعر عاصفة علي وجداني كأنثي مرغوب بها ، ولو كان من شاب أقل منك سنًا .

غائبة عن الوعي، أستيقظ و هو يلامس مؤخرتي ، و تزداد ابتسامته اتساعًا، و تجلجل ضحكاته المكان، و تزداد في علوها و أنا أقف في نهاية الركن في الغرفة، حيث اطاح بي و عيني لا ترمش.

أنا متخرجة من أحد جامعات القمة، و سيدة منزل،

و زوجي دكتور محترم.

استعدل بنطالي و استعدل صدريتي المبطنة،

و أشعر بضيق في نفسي لا أستطيع تحمله، أخلع ذلك القميص الرياضي أمامه، و تظهر صدريتي، و أخلع الصدرية أمامه فتزداد عيونه إتساعًا ، و أنا أرتدي القميص الرياضي مرة أخري، وأضع الصدريه في سلة المهملات، و أتوجه للباب، و أفتح القفل، و أنا أنظر له، و أقترب بخطوات مترددة و أقول له : –

_ أشكرك.

“ينفجر ضاحكًا مرة أخرى وأنا أمامه وجهًا لوجه.

أرفع يدي لتسقط عليه أذنه مُحدثة دوي انفجار عظيم في طبلة أذنه يقع أثرها على الأرض.

لم أكترث إن كان مُندهشًا أم فاقدًا للوعي، لا أهتم .

 فقط أخرج من الغرفة ومن النادي الرياضي وأخرج من نفسي، وأدير محرك سيارتي وأتوجه إلى المستشفى التي يعمل بها زوجي .

طوال الطريق وجهي ومشاعري جامدين، ودموع تتساقط من عيني بدون سبب،

ليست هناك مشاعر حقيقية أشعر بها، لكنني أشعر بتلك الدموع تتساقط رغمًا عني وأزيحها من خدودي ، وسواد كحل عيني يزداد مظهره بشاعة.

أدخل المشفى التي يعمل بها زوجي، ومشاعري مختلطة لا أعلم ماذا أريد حقًا.

أسأل عنه وأحد يقودني لاستراحة الأطباء، أنتظره بها.

بعض المعاطف معلقة ، وأحدهم معطف زوجي، ذلك المعطف الأنيق المغلف بغلاف بلاستيكي شفاف موضوع بعناية شديدة جدًا.

لم أتخاذل في اتخاذ قراري ، توجهت نحو المعطف و شرعت في تقطيع أكمامه وجيوبه وياقته.

ووضعته أمامي على الطاولة التي تمتلئ ببعض من سوائل المربى والعسل وبعض قطع الخبز.

حقيقي لقد مسحت الطاولة بالمعطف.

وحينما دخل علي أقبل محتارًا يسأل: –

_ حبيبتي هل كل شيء على ما يرام؟

لم أستطع مواجهة نفسي تمامًا، وأنا لست بخير وكانت كلماتي بسيطة فقط: –

_ طلقني الآن.

حاول قدر المستطاع مسايرتي والعمل على تهدئتي قليلاً، لكن رأيي كان ثابتًا حتى أن صوتي قد بدأ يتعالى دون إرادتي، أنا قادمة لأحصل على الطلاق فقط وأرحل.

لقد حاول معرفة الأسباب حتى قال لي بهدوء: –

_ ثواني قليلة، اذهبي واحضري المأذون وقادم حالاً.

لم تمر دقائق حتى عاد ، وقال إن المأذون على وشك الوصول فقط أقل من دقيقة ، وأحدهم من الخلف ووضع في رقبتي مهدئًا ونمت بعدها لفترة واستيقظت وجدته بجانبي وقد مر حوالي أربع ساعات كاملة وأنا مخدرة.

ظل يسألني إن كان مقصرًا معي في شيء يستطيع تحسينه ، أو أوضاع يحاول إصلاحها وأنا صامتة تمامًا.

لم أتخيل يومًا كم ذلك الحنان الذي يحاول إغراقي فيه ، حتى شعرت بأنني أختنق ورحت أبكي، لكن تلك المرة أشعر بما أفعله جيدًا.

لم استطع كبح زمام مشاعري وأنا أطلب منه الطلاق مرة أخرى وأصمم على رأيي.

حتى إنه بدأ يخاف من إصراري قد أفعل شيئًا في نفسي، فلم يتردد وقام بطلاقي في نفس اللحظة.

قلت له إن أخواني ووالدي سوف يحضرون أغراضي بعد ما يضعها هو في حقيبة أو اثنين وأنني ذاهبة إلى منزل والدي.

حاول الجميع معرفة السبب لكنني صعدت إلى غرفتي وأغلقت الباب علي لأيام أحاسب بها ذاتي.

 كيف وصلت إلى تلك المرحلة ؟

وكيف كان ذلك الكون الشاسع يضع علامات الضياع على ملامحي؟

 فقد كانت الحياة أكثر من مثالية.

 لماذا قد حدث ذلك ؟

 لا أستطيع التفسير سوى أن الفراغ قد يحدث أكثر من ذلك.

لقد عدت للعمل في صيدلية والدي ، ولم أستطع الخروج من تلك المحنة سوى بالعمل.

لقد تحسنت أوضاعي كثيرًا وأصبحت أكثر تفهمًا لقيمة طليقي وما كان يعانيه من إرهاق في العمل.

مرت خمس أشهر على طلاقي لكنني أشعر بأنهم خمس سنوات.

في لحظة وجدت طليقي داخل الصيدلية يسأل إذا كان من الممكن أن نتحدث على انفراد.

خرجت من الصيدلية إلى الشارع، وسرنا على مقربة من مقر عملي، لم أخش شيئًا لقد رويت له ما حدث تفصيليًا حتى إنني شرحت له كيف لمسني ذلك الصبي ؟ وأين وضع يده تحديدًا؟ حتى لا أخفي عليه شيئًا.

إن أراد الرحيل، لا أعتب عليه، ظل يلقي بعض القصص والنوادر التي حدثت معه منذ فترة وحينما وجد أن حديثه باهت الملامح ،اعتذر ورحل.

لم أتوقع منه رد فعل، إنما له الحق فيما يقرره، أي كان قراره، قررت طلب الطلاق، ما هو إلا احترامي له، وحصلت عليه، والآن حان دوره حتى إذا كانت الحياة عادلة أو غير ذلك، فأنا رضيت بالبعد عنه مسبقًا.

له الحرية فيما يفعل بعد ذلك.

أشعر بوهن فظيع في جسدي حينما أدخل المنزل ووالدتي تقول: –

_ زوجك مع والدك في الصالون.

_ تقصدين طليقي ماذا يفعل ؟؟

_ اسأليه.

دخلت عليهم هو ووالدي فاستأذن مغادرًا دون أي حرف، حتى قال والدي بأنه جاء كي يعيد لك شبكتك ويردها كهدية منه على فترة ثلاث سنوات قضاها معك.

لم أتأثر كثيرًا، فهو حر في اختياره، لم استطع لومه على مشاعره، برغم ما فعلت، جعلني أكتشف كيف كان محب عطوف يحبني ويخاف علي وعلى حزني، ويقدر جهلي وعصبيتي.

لكن ما فائدة المعرفة إذا كانت متأخرة؟

 لم استقر سوى بعد ذلك الأمر بفترة طويلة، لكن الخروج منه سهل، لكن الدخول في حالة الوحدة أمر صعب للغاية ،ولكنه كان اختياري منذ البداية، البداية التي هي النهاية لكل شيء. ظننت في يوم من الأيام أن زواجي من طبيب يستطيع تقدير المرأة ومشاعرها شيء طبيعي وبديهي، لكننا جميعًا بشر نخطئ ونلتمس الأعذار، ننسى ونريد من يذكرنا، كانت حياتي معه قد تفلح إن استعنت بذكائي.

وجهته أكثر ما رميت بكل اللوم والحمل عليه، لقد كان خطأه أقل من خطإي بكثير، لم يخن يومًا ، ولم تكن له نزوات مع أي سيدة أخرى، إنما حبي لامتلاكه قد جعلني أخسر نفسي، ثم أخسره.

 ليته يعلم كم أحبه وأحترمه، أن يعلم كل منا احتياجات الآخر قد نتجنب يومًا ما المشاكل والعوائق الزوجية.

 أما من أنتظر من الآخر أن يفهمه بسبب خجل أو شعور بالتنازل، قد نتجنب فقد العديد من الأشياء الجميلة في حياتنا كنت اعتقد بأنني جاريته فذلك ما كان في مخيلتي، كان من الممكن أن أكون ملكه، و أتعامل علي ذلك الأساس.

فمن تعتقد بأنها جاريه تصبح جاريه ومن تعرف قيمتها تصبح ملكة.

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

أبليــــس – الجـــزء الثــالــــث

Read Next

الفن الذي لا يموت .. إحياء التراث الثقافي في العالم الحديث

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular