مع كتاب ” يوميات وكيل نيابة “للمستشار الكاتب: بهاء المري

 

بقلم : زينات مطاوع 

الفهم، هو روح العدالة، والترياق الذي يتضلع منه المرء الإنسانية، فيمشي (المحقق) بالنور في النفوس مترفقًا على أطراف أنامل قلبه بلا ملل أو عبث، بناصية بيضاء لم تخنع أمام بَرَص الشهرة، أو تنهزم أمام وسوسة العُجب!

وقلب سليم يقظ لا تأخذه سِنة من حِس عن الوصول للحقيقة التي أطلقها حدسه وصدقها ظنه، فتحققت فراسته كفلق الصبح قبل أن يرتد لذاك القلب طرفه!

وإنسان أتقن السباحة في أغوار النفس البشرية وكوامنها الخفية، فتمكن من اصطياد غرائبها وعجائبها المذهلة، ومعرفة نوازعها وظنونها الآثمة، وتعليقها على ناصية الفكر؛ للنظر في حسنها وبؤسها وشرها وخيرها كلما قامت للقلب قيامة.

فهنا الكاتب يغزل العدالة على نول الإنسانية في ثلاث وثلاثين قصة ناء بحمْلِها صدر الواقع، فتلقفها قلب وكيل النيابة حين أتته طوعًا أو كرهًا؛ فامتلأ بآلامها وأوجاعها حتى زكمت روائح الحزن قلبه، فسكبها على الأوراق هديًا بالغ الآدمية، مُنكَّهًا بالمعلومات القانونية التي خلع عنها جموحها البحت، وأحاطها بهالة من جمال اللغة وسحر البديع لتُرشف على مهل، فأضاف للقص حياة، وصنع للفكر أيام، وساهم في تنمية الوعي القانوني لدى القارئ، وأوضح دور النيابة العامة في التحقيق القضائي، ودور الطب الشرعي في معرفة تفاصيل الجريمة، ومعركة كره الدنيا وضآلتها التي تدور رحاها داخل النفوس في المشرحة، والكثير من التفاصيل الدقيقة التي التقطها الكاتب من فم الأحداث، ومن قلب السرائر.

بلغة رصينة، جزلة، مسّها طائف من سحر البيان الضافي، وسرد يلقي بتعاويذه على كل من يطل عليه بقلبه، قد تآلفا وتعاونا على بعث ما انطمر من إنسانيتنا، واستعادة آدميتنا، وعزتنا، وهويتنا الضائعة في دنيا تلهث وراء المفقود، وتميل للتزلف، وتأنف الحقيقة!

 يطوف بنا الكاتب حول “قلب أم” من هول الحِس، وصفاء الطوية أبصر الحقيقة في كلمة واحدة فقط أجراها الله ـ عز وجل ـ على قلبها، فانطلق بها اللسان على عجل.

وفيها ندرك ماهية الضرب المُفضِي إلى الموت.

وفي “قصاص السماء” ندرك ماهية المعاينة التصويرية وهي تمثيل للجريمة يقوم به المتهم المعترِف مع بديل للمجني عليه. حين تخلد النفس إلى أثقالها، وطينها، وأدوائها، وعللها، وتلوذ بشيطانها، وتحيد عن الفطرة في قلوب غلف، تذبح البراءة بسكين ثلِم دون إحسان؛ فلا بد من التمعن في “قصاص السماء”.

وحين يقع المحقق بين متهم معترف، ومجني عليه شاهد رؤية، ومسروقات ضبطت؛ فالصراع الإنساني في الوصول إلى العدالة لا بد أن تقام قيامته، وتلك النداءات تضج داخله وتزلزل كيانه دون رحمة:

“من الظالم؟!”

ربما ظلمه المجتمع حين اضطره أن يمد عينيه للسراب الذي تراءى أمامه فحسبه عيشًا هنيًا يسد به رمق أولاده، حتى إذا جاءه لم يجد شيئًا إلا نفسه على شفا جرف هار من الهلاك انهار به وساقه إلى هاوية الضياع بيد ظلم ثان حين ظلمه الآخر وعامله بالعدل لا الفضل، ولم ينظر في أمره بعين الرحمة، بل آثر إراقة عزة قلبه وحاجة نفسه على الملأ دون إحسان، أو لحقه ظلم ثالث، وهو ظلمه لنفسه، وكأنه اجتمعت عليه ظلمات ثلاث، ولكن هل نبذه بالعراء قلب المحقق المحاصر بين العدالة وروحها، بين نص أصم وشعرة اللطف التي تسعى لتنتصر؟!

وحين كفر الجحود بكل فيوضات اللطف، كمم النهم أفواه القناعة، فكشر الطمع عن أنيابه؛ ليقطع وصلًا أُسس بنيانه على الجشع، وينهي حياة نفس كان جرمها الإحسان، والثقة المطلقة، والإيمان والأمان المطلق؛ فكان عاقبة ظنها الحسن خسرانًا مبينًا مخضبًا بأكفان النهاية في “قصة حلم”

ثم يصطحبنا إلى قصة “لا تكتب”

في حضرة الحرف، اخلع دنياك؛ فإنك في حرم الروح وقداستها تصافح نبضًا منثورًا في نظم، والكاتب يضع بين يديك روحه لا حرفه، والروح ليست بضاعة مزجاة، أو قلمًا يسأل الود والدعم إلحافًا، فأوفِ الكيل، وزِد من الحسن نبلًا وإنصافًا؛ فإن للقلوب عزة، ولدفقها كرامة، وللنفس أنَفَة، وللحس مقامَا… فانتبه!

وكيف لا نكتب والحرف روح منا، ننفقه على وجلٍ عليه حبًّا وطوعًا، فيُرْبِيه لنا الزمان، ليرتد إلينا عافيةً واطمئنانًا حين تتجول سحب الحنين المارقة بقلوبنا، فيهطل غدقها في أعيننا زفرات..

وكيف لا نكتب، وما الحرف إلا أرواحنا التي أجهضتها المِحن، وذرفتها المقل بكاءً في عيون الأيام، ونزفها النبض شوقًا يؤجج وجنات الحياة، لتحتويها الأسطر؛ فتهدينا بعض نجاة!

وحين يجوب “الاختيار” مسارح الجمال بلا هدى، فلا بد لصاحبه أن يختل اتزانه، ويغشاه الران، ويتلبسه العمى، فإذا نفذ إلى شغاف قلبه، وبسط نفوذه عليه، حُق له التمكين، ولن ينتزع صاحبه من سُباته العميق إلا ونفسه قد شاخت، وقلبه قد ترهَّل، ووجهه استقر به الذبول وهو ينازع سكرات الهم وحده وقلبه يردد: “هل من محيص؟”

وحين استدعى الكاتب من ذاكرته قول الشاعر الانجليزي “بيرون” :

“ما ضحكت على مشهد بشري زائل، إلا وكان ضحكي بديلًا أستعين به على البكاء”

كان الألم قد نال من قلبه، والحزن استوطنه، والقهر بلغ مداه وهو يعقد مقارنة بين واقعة النجم الساطع واللنش الطائش وواقعة الفرنسي الذي حرص على إعلاء شأن الحق، وسيادة القانون، واحترام الآدمية رغم أنه لم يره أحد!

الكتاب يضم الكثير من التفاصيل، والأحداث، والمعلومات القانونية، والصراع القائم بين الخير والشر، وغرائب النفس البشرية.

راقتني جدًا اللغة، والسرد، وإنسانية الكاتب، وحرصه على روح العدالة، َوإعلاء شأن القانون؛ مما دفعني لقراءة الكتاب ثلاث مرات في وقت قصير جدًا.

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

المطلقة و البواب الجزء الثالث

Read Next

” كينونة”قصة قصيرة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular