محمود درويش: في ماضينا و حاضرنا

 

فخري صالح 

آراء ذكرى ميلاد محمود درويش: في ماضينا و حاضرنا تغذي شعر درويش من موضوعات مصادرة الأرض والهوية الوطنية(Getty)شارك هذا المقال
حجم الخط
يعدُّ محمود درويش (1941 ـ 2008) واحدًا من أشهر الشعراء العرب في القرن العشرين، كما يُنظر إليه بوصفه الشاعر الناطق باسم فلسطين. لكنه، في الوقت نفسه، واحدٌ من بين عدد محدود من الشعراء العرب الذين أحدثوا تغييرًا ثوريًّا في شكل الشعر العربي خلال القرن الماضي. لقد زاوج بين التعبير عن مشكلات العرب المعاصرين، بخاصة، والهموم الإنسانية بعامة. إن صوته الشعري يعبر عن مقاومة الفلسطينيين، من خلال التفاعل الحميم مع شعراء عالميين، مثل فيدريكو غارسيا لوركا، وبابلو نيرودا، ووليم بتلر ييتس، ويانيس ريتسوس، من بين آخرين.
لقد تغذَّى شعره من موضوعات الفقدان، والحيرة، ومصادرة الأرض والهوية الوطنية، والمنفى. ولكي يحقق التعبير الأمثل عن هذه الموضوعات، عمل درويش على تزويج الفقدان الشخصي والوطني بثيمات الحياة والموت، والحزن والسعادة، ذات الطابع الكوني، في شعرٍ يتأمل تراجيديا الكائن في هذا العالم. وليست هذه الموضوعات بالطبع بعيدة عن نشأته الشخصية. فقد كان في السابعة من عمره عندما أجبرت العصابات الصهيونية عائلته على الرحيل من مسقط رأسه، قرية البروة، متجهة إلى لبنان. وعندما عادت العائلة، بعد بضعة شهور، متسللة إلى القرية، وجدوا أن القوات الصهيونية قد قامت بتجريف البروة، وإزالتها من الوجود، ودفعتهم إلى الرحيل مجددًا إلى قرية مجاورة بوصفهم “حاضرين غائبين”، ما يعني أنهم أصبحوا يعيشون في وطنهم بصورة غير شرعية، من دون بطاقات هوية، أو جوازات سفر، أو وثائق تثبت مواطنتهم.

“يمزج درويش اليومي بالتاريخي، الشخصي بالجماعي، أحداث الماضي بالحاضر، ملقيًا ضوءًا كاشفًا على غير المرئي، والمجهول، الذي يتراءى في المستقبل البعيد”

تشكِّل هذه الخلفية الشخصية لحياة محمود درويش العمودَ الفقري لمجموعته الشعرية المدهشة “لماذا تركت الحصان وحيدًا” (1995)، التي تستعيد سيرة الشاعر. إن درويش يصور لنا شبحه قادمًا من بعيد، من الزمن الفردوسي لطفولته، التي سيخضُّها الفقدان، والخروج، والمنفى، والعودة غير السعيدة، ومصادرة الهوية. فرغم أن هذه المجموعة الشعرية تركز كثيرًا على وصف المشهد الطبيعي في فلسطين، مازجةً العنصر الرعويَّ بالاحتفال بالطبيعة، بالكارثة التي تحوم في الأفق، وتقيم عميقًا في ذاكرة الطفل الذي يروي حكاية الشاعر وشعبه، فإنها في الآن نفسه تحاول استعادة التفاصيل الصغيرة للمكان والزمان المسروقين. فمن أجل استعادة الماضي، وإعادة تركيبه، يشير إلى لحظات وحوادث مفصلية في تاريخ الفلسطينيين، والعرب، وشعوب الشرق، وتاريخ الإنسانية بعامة. إنه يحاول فهم أسباب نكبة 1948، تلك النكبة المستمرة، وتشريد الشعب الفلسطيني، على خلفية التاريخ الإنساني. وهو، بهذا المعنى، يمزج اليومي بالتاريخي، الشخصي بالجماعي، أحداث الماضي بالحاضر، ملقيًا ضوءًا كاشفًا على غير المرئي، والمجهول، الذي يتراءى في المستقبل البعيد.

أطل، كشرفة بيت، على ما أريدْ
أطل على صورتي وهي تهرب من نفسها
إلى السلم الحجري، وهي تحمل منديل أمي
وتخفق في الريح: ماذا سيحدث لو عدتُ
طفلًا؟ وعدتُ إليك… وعدتِ إليَّ
أطلُّ على جذع زيتونة خبأت زكريا
أطلُّ على المفردات التي انقرضت من “لسان العرب”
أطلُّ على الفرس، والروم، والسومريين
واللاجئين الجدد…
أطلُّ على عقد إحدى فقيرات طاغور
تطحنه عربات الأمير الوسيم…
أطلُّ على هدهد مجهد من عتاب الملكْ
أطلُّ على ما وراء الطبيعة:
ماذا سيحدث… ماذا سيحدث بعد الرماد؟
أطلُّ على جسدي خائفًا من بعيدْ…
أطلُّ، كشرفة بيت، على ما أريدْ

**

أطلُّ على لغتي بعد يومين، يكفي غيابٌ
قليلٌ ليفتح أسخيليوسُ الباب للسلمِ،
يكفي
خطابٌ قصير ليشعل أنطونيو الحربَ
يدُ امرأة في يدي
كي أعانق حريتي
وأن يبدأ المدُّ والجزر في جسدي من جديدْ

**

أطل، كشرفة بيت، على ما أريدْ
أطلُّ على شبحي
قادمًا
من
بعيد…
مطلًّا على ماضيه البعيد، يصف الشاعر زمان مولده، بهدف إعداد قارئه لاستقبال الكارثة المقبلة. إنه يتوقع ما سيحدث منذ البداية، عندما تنطلق صرخة الوليد الجديد وتملأ شقوق المكان.
… كان المكان معدًّا لمولده: تلَّةً
من رياحين أجداده تتلفتُ شرقًا وغربًا، وزيتونةً
قرب زيتونةٍ في المصاحف تُعلي سطوح اللغةْ…
ودخانًا من اللازورد يؤثثُ هذا النهار لمسألةٍ
لا تخصُّ سوى الله. آذارُ طفلُ
الشهور المدللُ. آذار يندف قطنًا على شجر
اللوز. آذار يولمُ خبيزةً لفِناء الكنيسةِ
آذار أرضٌ لليل السنونو، ولامرأةٍ
تستعدُّ لصرختها في البراري… وتمتد في شجر
السنديانْ.

**

يولد الآن طفلٌ،
وصرختهُ،
في شقوق المكانْ.

إن الصور الرعوية، والمشهد الريفي، والخضرة المنتشرة في المكان، والزهور والعناصر التي توحي بالخصب، وتصف حدث الولادة، سرعان ما يعترضها بخشونة وحدَّة الحدثُ الذي سيقع لاحقًا، حيث يُجبَر الطفل وعائلته على الرحيل والتشرد في بلاد الآخرين. وعندما يعودون، متسللين إلى وطنهم، يجدون المكان وقد تحول إلى رماد.
(…….) كانت الحرب انتهتْ
ورمادُ قريتنا اختفى بسحابة سوداء لم
يولد عليها طائر الفينيق بعد، كما
توقعنا، ولم تنشفْ دماء الليل في
قمصان موتانا. ولم تطلع نباتاتٌ، كما
يتوقعٌ النسيانُ، في خوذ الجنود
هللويا
هللويا
كل شيء سوف يبدأ من جديد.
في معظم شعره، وخصوصًا في هذه القصيدة الطويلة المدهشة، يبدو درويش واعيًا تمامًا بضرورة تأمل ما هو تراجيدي، مأساوي، والعناصر الحزينة الكئيبة للعيش، لكي يضع النكبة الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع تاريخ الشعوب الأخرى وتجاربها المأساوية. وهو واعٍ، بصورة أكبر، بالأهمية القصوى للنظر إلى الشخصي والوطني بعدسة تاريخ البشرية، من خلال الإلماع إلى أساطيرها وآدابها، خالقًا أساطيره الخاصة التي تضيء على فقدان وطنه، واللحظات المأساوية التي مرَّ، ويمرُّ، بها شعبه. وهو، لذلك، يصطف إلى جانب كبار شعراء العالم عبر العصور، وسوف يحيا شعره من بعده، ويخلده في تاريخ الآداب العالمية.

[إشارة: أُلقيت هذه الكلمة في مؤتمر حول الأدب العالمي في كوريا الجنوبية، صيف 2022. وقد خُصِّص المؤتمر لتجارب أدبية عالمية كبرى في القرن العشرين (مثل غابرييل غارسيا ماركيز، ورابندرانات طاغور، وتشينوا أتشيبي، من بين آخرين). وعليَّ أن أشير هنا إلى أن الكلمة كتبت بالإنكليزية، وها أنا أترجمها إلى العربية للنشر في الذكرى الثالثة والثمانين لميلاد الشاعر الفلسطيني الراحل. فهو ما زال حيًّا بيننا، بذكراه، وشعره الذي يجيب على أسئلة ماضينا وحاضرنا، على أسئلة الكائن في حيرته الدائمة أمام لغز الكون والوجود].

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

عيد الأم الفيسبوكي

Read Next

فضاء النقد … الغموض في الشعر الحديث

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular