فضاء النقد …  مستقبل الدراسات الإنسانية في الجامعة

د محمد مشبال / المغرب

 

تزهو الأمم بنفسها وتقدم ذاتها في هذا العالم الذي تقيم فيه، بما تنتجه من فكر وثقافة وفن إلى جانب ما تنتجه في الميادين العملية من إنتاج صناعي وتكنولوجي. وإذا كانت المؤسسات الجامعية في عالمنا العربي هي الحاضنة الوحيدة التي نملكها لتطوير البحث العلمي الإنساني؛ فهل أعددنا هذه المؤسسات على النحو المنشود الذي يؤهلها للاضطلاع بوظيفتها في تنمية هذه المهمة، أم أنها مجرد هياكل شكلية تقوم على بنيات بحث فارغة من أي محتوى حقيقي؟ ألا تتخبط جامعاتنا اليوم بين شعارات البحث العلمي الجوفاء، وبين مناهج وبرامج تعليمية فاقدة للجدوى؟ ألا يوجد انفصال بين المكونين الأساسين اللذين تقوم عليهما المؤسسات الجامعية المتمثلين في العلم والتعليم؛ ألا ينتفي عمليا التكامل والتفاعل بين وجهي العالِم والمعلِّم الجامعيين في هذه المؤسسات؟

ثمة معضلة في هوية المؤسسات الجامعية النظرية؛ فهي في الأصل مؤسسات لإنتاج علماء يسهمون في تطوير المعرفة، ولأجل هذه الغاية يفترض أن يكون علماؤها المنتسبون لها معلمين يسهمون في تكوين الطلاب الباحثين تكوينا معرفيا نظريا لا صلة له بوظائف عملية محددة تضطلع بها مؤسسات أقيمت لهذه الغاية. فالطالب الجامعي يمكنه أن يختار الاستمرار في البحث العلمي، مثلما يمكنه اختيار ولوج أي مؤسسة عملية تناسب تكوينه المعرفي حتى تكفل له وظيفة في الحياة. على هذا النسق جرت الأمور في المؤسسات الجامعية النظرية التي لم ترتبط بأي وظيفة عملية محددة؛ فالخريج الجامعي يحمل شهادة تكوين في تخصص يؤهله للاضطلاع بوظائف عملية لكن دون أن تكفلها له بالضرورة، لأنه يحتاج إلى تكوين إضافي مناسب ينقله من الإعداد النظري إلى الإنجاز العملي. ولعلّ من يتدبّر الوحدات التعليمية في الجامعة اليوم؛ ولنحصر هذا التدبّر في وحدات قسم اللغة العربية؛ لانتمائي إليه ولأهميته في تخريج آلاف الطلاب كل عام، ونتساءل: هل هي وحدات لتكوين الطالب الباحث تكوينا يؤهله لممارسة البحث العلمي، أم هي وحدات تعده إعدادا نظريا للانخراط في تكوين وظيفي عملي بعد تخرجه؟

الإجابة المقبولة عن هذا السؤال؛ هي أنها وحدات بعيدة كل البعد عن أن تكون وحدات علمية تكوينية لإعداد باحثين وعلماء في الحقول المعرفية التي تمثلها؛ ولأضرب مثالا بالحقل البلاغي على نحو ما يقدم في وحدة “البلاغة” بأقسام اللغة العربية على امتداد الوطن العربي، مقدما الملاحظات الآتية:

أولا؛ ينظر إلى البلاغة في التكوين الجامعي الأساسي كأنها معرفة ثابتة لا تقبل التغيير؛ فهي أبواب قارة تنطوي على جملة من التقنيات المحددة والمقننة ( البيان والمعاني والبديع). ولم يتم النظر إلى أن هذه مجرد قراءة من قراءات عدة يمكننا أن نقدم بها البلاغة للمتعلمين،

ثانيا؛لم يحدث أي تفاعل بين هذه الوحدة التكوينية وبين البحث البلاغي الذي اضطلع به باحثون جامعيون مشهود لهم بالكفاءة العلمية؛ ففي المؤسسات الجامعية التي أنجز فيها هؤلاء أبحاثهم في تطوير البلاغة والتفكير البلاغي، كانت تقدم البلاغة وكأنها وحدة تكوينية مطلقة ولازمنية؛ نتساءل لماذا لم تُحدِث الأعمال البلاغية لشكري عياد وجابر عصفور ومصطفى ناصف ولطفي عبد البديع وحمادي صمود ومحمد العمري والأزهر الزناد وشكري المبخوت وغير هؤلاء ممن خاضوا في إعادة قراءة البلاغة القديمة، الأثر المنشود في إعادة صياغة وحدة البلاغة في التكوين الجامعي؟

ثالثا؛ ينظر إلى البلاغة باعتبارها صناعة عربية خالصة لا صلة لها بالحوار الثقافي مع التراث البلاغي الإنساني الذي تفاعل معه بلاغيونا ابتداء من الجاحظ حتى اليوم؛ فإذا كان لويس شيخو وجبر ضومط ونقولا فياض وغيرهم من المؤلفين البلاغيين في بداية القرن العشرين قد قدموا لنا بلاغة تعليمية تحمل ملامح التثاقف، فإن المؤلفات البلاغية التعليمية التي توالى ظهورها لاحقا انكفأت على مفهوم ضيق لبلاغة اجترها أصحابها من المؤلفات البلاغية المتأخرة التي تكاد تخلو من وجوه الاجتهاد،

رابعا؛ ينظر إلى البلاغة على أنها مجموعة من التقنيات التي ينبغي للمتعلم أن يتعلمها بشواهدها الموضحة لها، ولا تقدم باعتبارها فكرا وتصورا عن الخطاب وعن التواصل بين الذوات البشرية؛ فمؤلفات الجاحظ وابن وهب وعبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني لا يعتد بها في بناء الدرس البلاغي الجامعي، ولا تدخل في تكوين مواد وحدة “البلاغة”،

إذا كان التكوين الجامعي يقوم على ترسيخ وحدات بنيت على قراءة محدودة وفقيرة للحقول التي تمثلها، قراءة لا تتفاعل مع اجتهادات الباحثين في هذه الحقول كما بينت انطلاقا من مثال وحدة “البلاغة”؛ فكيف يمكننا أن نطور المعرفة ونجعل جامعاتنا مؤسسات للتكوين والبحث العلميين. بناء على هذا القول، فإن علينا أن نتدبر سؤالا مهما : هل الجامعة مؤسسة علمية أم هي مجرد مؤسسة تعليمية نظرية تقدم معرفة جامدة لطلاب يفتقدون الكفاءة العلمية؛ فلا هي قادرة على إنتاج علماء ولا إنتاج عاملين في مجالات الحياة؟

0 Reviews

Write a Review

Read Next

فضاء النقد …  رواية شقراء البصرة للكاتب العراقي عبد عمارة  ..المرأة في مجتمع ذكوري

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular