روبابيكيا … قصة قصيرة

     سمير الفيل

عاد بعد سفر أسبوع إلى مصيف الإسكندرية فوجد مكتبته عبارة عن رفوف خشبية مسنودة على الجدار. لم يكن هناك من الكتب والمعاجم والأطالس شيء . حائط مكشوف حيث ظهر الطلاء أغمق درجتين عن الأجزاء التي ظلت الشمس تسقط عليها أكثر من ثلاثين عاما.

كان قد سبقها ليفتح الباب بعد أن أعطى سائق التاكسي أجره، وهاهو يستعين بأحد الحمالين لحمل الحقائب للدور الخامس حيث قضى أكثر من نصف عمره في هذه الشقة.

 أنجب بنتا ، زوجها ، وصار له حفيدان ، أنجب ولدا فسافر إلى العراق ليعمل هناك ، ومات في حرب الخليج الثانية .

 لم يعد له في الدنيا سوى كتبه ، ومجلاته ، وجرائده ، وقد صنف كل ما اشتراه، وجعل كل قسم في منطقة يعرفها جيدا.

 يمكنه أن يعطي المكتبة ظهره فتحدثه عن معنى كلمة فيذهب إلى الرف الثاني يمينا، وينتزع مختار الصحاح. يمكن أن تزوره فاطمة ابنة أخته فينتزع كتابا في الفلسفة لتقرأه وهي بعيدة عنه ثم ينتزعه منها ويضعه مكانه بالضبط. أما يسري أعز أصحابه فقد وضع شرطا لاستمرار الصداقة وهذا الشرط يتلخص في أن اقتراض الكتب أو استعارتها أمر يجلب الشقاق. يمكنه أن يعزمه على شاي أو قهوة أو ليمون . أما الكتب فلا تخرج، ولا تبيت خارج بيتها أبدا.

من المجرم الذي سرق تلك الكتب، هل بلغت به الجرأة أن يأخذ كل شيء ، ولا يترك له سوى الجرائد والمجلات في ركن مهمل ؟

صعد الشيال ، وضع الحقائب ، منحه الأجر فيما صعدت خلفه ، وهي تنهج.

ــ أرأيت ما حدث؟ الكتب سرقت؟!

ـ لم تسرق هناك سوء فهم.

ـ إذن ، أين الكتب يا ست هانم؟

ـ أخذها بياع الروبابيكيا؟

ـ نعم. بدون إذني؟

ـ وجدت قبل سفرنا إلى المصيف أن الكتب تسبب لك إزعاجا حتى أنك ..

ـ لماذا سكت؟ انطقي؟

ـ تكلم نفسك؟

ـ كل إنسان في الوجود ، يمر بضائقة ، يكلم نفسه؟ هذا أمر طبيعي.

ـ لكنني خشيت عليك .

ـ من ماذا؟

ـ من الجنون. أنت تعرف أن ابن عمك مصيلحي دخل المصحة لنفس السبب.

ـ لكنه كان مجنونا منذ الصغر . وقد استقر به الحال ونسي مرضه .

ـ خفت عليك من مغبة القراءة. أترى. روحك ردت إليك بعد شهر المصيف.

ـ لو أعرف أنك ستفعلين ذلك ما سافرت.

ـ انظر للجانب المشرق من المسألة.

ـ كيف ؟

ـ الحجرة اتسعت والشمس ستسطع فيها؟

ـ أكاد لا أصدق.

ـ اجلس، استرح .فكر في الأمر بجدية.

ـ منذ شاهدت الكارثة وأنا أفكر.

 تركته لتجهز كوبا من الليمون المثلج. عادت وهي تضرب كفا بكف.

 ـ الثلاجة مفصولة ، ولا يوجد في الشقة ماء بارد.

ـ أنا مستاء وغضبي لن تضيعه كلماتك المزوقة.

ـ أكنت أتركك تجن؟

ـ بل أنك أوصلتينني لحد الجنون فعلا. هل تدركين حجم المعاناة التي أعيشها بلا كتب؟

ـ لكنك لم تكن تقرأها بالمعنى الحرفي للقراءة. أنت تضعها بنظام، تكتب اسمك على الصفحة الثانية ، ثم تجمع أصحابك ليروا كنزك؟

ـ أتسخرين مني ؟

ـ أبدا. من الممكن أن تشتري جهاز كمبيوتر، وستجد فيه كل المعلومات التي تريدها؟

ـ أنت غريبة الشأن. ورحمة ابني لن يمنعني عنك سوى أن الصدمة شلتني.

ـ بسبب كتب.

ـ وهل هي مسألة هينة؟

ـ حينما هبط آدم من الجنة للأرض ، هل وجد كتبا ليقرأها؟

 ـ ومن باع الكتب في غيابنا. أنت لم تغادري المصيف ساعة واحدة.

ـ أعطيت المفتاح لابن عمي حسن ، وكلفته بالمهمة . وقد حافظ على كل قشة في البيت كما ترى. تخلصنا من الكراكيب.

ـ نعم، الكتب عندك كراكيب؟

ـ بكل تأكيد. فأنا لا أستطيع إزاحتها للتنظيف، ولا أتمكن من إغلاق زر النور إلا بعد جهد جهيد، وهي تحجب الشمس وتضيق الخلق.

ـ بعد ثلاثين عاما من الزواج تفعلين بي ذلك؟

ـ اجلس كي أعد لك فنجان قهوة لتفكر، وتعرف أنني لم أقصد غير مصلحتك؟!

بعد دقائق عادت تنفض يديها . حاولت قدر الإمكان الابتسام: لا شيء في المطبخ. نحتاج للتسوق غدا.

ـ أنت فعلت ذلك خوفا على عقلي من الجنون؟

ـ بالضبط، فالقراءة والسهر يجلبان لك الأرق.

ـ لكنني سأجعلك تدفعين الثمن؟

ـ وهو ؟

ـ أنت طالق؟!

 للحظات اصفر وجهها غير أنها فكرت فيما فعلت فوجدت نفسها قد تحملت الكتب ثلاثين عاما ، وأن لها أن تتحرر من الشعور بالاختناق.

نظرت نحوه والصدمة تعقد لسانها.

ـ سأذهب إلى بيت أبي. لا أريد أن تردني. سأعيش في بيت ليس به كتب.

 تمدد على كنبة الصالة ولم يتراجع أو يعتذر عن قراره. وهي تجذب حقيبتها حرصت على ألا تنظر نحوه. أثناء هبوط السلم ، تنفس الصعداء فقد انزاحت بعيدا عنه بأفكارها الغريبة. قرر أن يذهب في الغد لشراء كتب جديدة.

عندما انتهت من النزول اتصلت بابن عمها ، الذي أوصلها إلى بيت أبيها . قال لها وهي تنظر إلى الشوارع بوجه شاحب. بعد مرور فترة العدة سأتزوجك. شقتي ليس بها كتب .

ـ أعلم ذلك ، فأنت رجل عاقل.

ـ ولكن يوجد مجلة أسبوعية لبرامج التلفزيون لو سمحت بوجودها؟!

ـ بالطبع أسمح ، وحين تنتهي منها سنضعها في سلة المهملات!؟

0 Reviews

Write a Review

Read Previous

الانتقام اللذيذ ..قصة من التاريخ

Read Next

الغلام المجهول

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Most Popular